أما البيت الثالث المنسوب إلى إبراهيم بن هرمة فليس شاهدًا على إشباع الحركة، ولا يجوز بناء قاعدة نحوية استنادًا إليه، لأن الشاعر قال: (فأنظور) اضطرارًا ولم يقل ذلك اختيارًا. وهذا البيت يعزز ما لاحظناه من أن السيوطي لا يميز بين الضرورة الشعرية وغيرها. والغريب أنه نقل في الاقتراح (80) عن منهاج البلغاء أن قول الشاعر (فأنظور) ضرورة مستقبحة.
وأما البيت الرابع الذي احتج به الكوفيون على جواز إظهار (أن) بعد (كيما) فقد خطّأه السيوطي لأن قائله مجهول، وهذه التخطئة مقبولة، لأننا نرغب في معرفة الشاعر للتأكد من صحة رواية البيت. ذلك أن هناك بيتًا آخر لجميل بن معمر احتج به الكوفيون على الأمر نفسه، وهذا البيت هو:
فقالت: أكلّ الناس أصبحت مانحًا * لسانك كيما أن تفرّ وتخدعا
ومعرفة اسم الشاعر جميل سمحت بالعودة إلى ديوانه (81) فإذا الرواية فيه: (لسانك هذا كي تغرّ وتخدعا) . وهذه الرواية تجعل القاعدة الخاصة بإظهار (أن) بعد (كي) تنهار. ونخشى من أن يكون البيت الذي ذكره السيوطي على هذا النحو من خطأ الرواية، ولكننا لم نر السيوطي يلتفت إلى هذا الأمر، بل رأيناه يرفض البيت تبعًا لرفض ابن الأنبار له واستنادًا إلى معياره وهو كون قائل البيت مجهولًا.
إن موقف السيوطي من الاحتجاج بالشعر العربي ينم على أنه لا يناقش الآراء التي ينقلها، ولا ينعم النظر في مواضع الغلط فيها، ولا يفيد من قواعد الاحتجاج التي كان قررها.