أما البيت الثاني (سيغنيني... ولا غناء) فقد ذكره السيوطي في المزهر على أن (غَناء) بفتح الغين شاهد على تحريف الرواة رواية الشعر. والمتهم بتحريف الرواية هنا هو أبو بكر الأنباري، وقوله:"الغَناء: الاستغناء، ممدود"غلط في رأي القالي، لأن أحدًا من الأئمة لم يروه بفتح الغين، ولأن"الغَناء على معنى الغِنى"غلط أيضًا، ولكن السيوطي ذكر البيت نفسه في الاقتراح (76) دليلًا على اختلاف الرواية. فالكوفيون احتجوا به على جواز مد المقصور (غنى -غِناء بكسر الغين) . وأبطل البصريون حجة الكوفيين بقولهم إن رواية البيت بفتح الغين، ولفظه"غناء"ممدودة. ومهما يكن الأمر فإن السيوطي قدّم رأيين متناقضين يستندان إلى معيارين مختلفين، فدل بذلك على أنه لا يملك موقفًا تطبيقيًا. ذلك أن الثابت هو رواية البيت بكسر الغين وفتحها. وقد روته المعجمات على هذا النحو، فنص ابن المنظور في لسان العرب على أن من رواه بالكسر أراد مصدر غانيته أي فاخرته بالغنى (77) ، ومن رواه بالفتح أراد الغنى نفسه. فالغنى والغَنا واحد في المعجمات العربية (78) . كما أن أبا بكر الأنباري الذي روى البيت كان من أعلم الناس وأفضلهم في نحو الكوفيين، وأكبرهم حفظًا للغة. أخذ عن ثعلب. وكان ثقة صدوقًا. توفي عام 271ه. وقد حرص السيوطي على أن تتوافر هذه الصفات في اللغوي (79) ، ولكنه ساق اتهام القالي على عواهنه من غير تعليل، على الرغم من أن انعام النظر يقوده بيسر إلى أن كلام أبي بكر سليم لاشية فيه. ومن ثم كان عليه أن يتخذ البيت حجة على أن (الغِنى والغَناء) بمعنى واحد، وأن يكون ذلك مناسبة للقول أن الشعر لا يُرفض إذا كان قائله مجهولًا وراويه ثقة.