الصفحة 19 من 91

ذكر السيوطي نقلًا عن الخصائص لابن جني أن همز (مصائب غلط، فقال:"ذلك أنهم شبهوا مصيبة بصحيفة، فكما همزوا صحائف همزوا أيضًا مصائب. وليست ياء مصيبة بزائدة كياء صحيفة، لأنها عين عن واو، وهي العين الأصلية، وأصلها"مصوبة"لأنها اسم فاعل من أصاب. وكأن الذي سهل ذلك أنها وإن لم تكن زائدة فإنها ليست على التحصيل بأصل، وإنما هي بدل من الأصل، والبدل من الأصل ليس أصلًا فهو مشبه للزائد من هذه الحيثية فعومل معاملته"(50) . وقد اكتفى السيوطي بنقل ما ذكره ابن جني في الخصائص من غير أن ينص صراحة أو ضمنًا على اختلافه معه. وهذا يعني أنه متفق معه على أن (مصائب) غلط لغوي. ولكنه في مكان آخر من المزهر وافق على ما ذكره الجوهري في الصحاح من أن (مصائب) صحيحة اجتمعت العرب على همزها (51) . أي أنه في كتاب واحد هو المزهر نص على أن كلمة (مصائب) غلط وصواب، فكيف يستقيم هذا الحكم؟ إن المقبول لديّ هو أن السيوطي لا يملك معيارًا للصواب يستند إليه في تخطئة كلام العرب وتصويبه، بل يملك القدرة على أن ينقل كلام سابقيه من غير أن يمحص التناقض الذي ينجم عن النقل من مصادر مختلفة.

والدليل على أنه لا يملك معيار للصواب هو استعماله معيارين متباينين، أولهما معيار ابن جني، وهو معيار يستند إلى القاعدة الصرفية الخاصة بصيغة منتهى الجموع. ولهذه القاعدة أوزان، منها وزن"مفاعل"الذي نجمع عليه الكلمات المبدوءة بميم زائدة. وتنص هذه القاعدة (52) على أنه إذا كان الحرف الثالث من الكلمة حرف مد منقلبًا عن أصل، كما هي حال كلمة مصيبة، رددناه إلى أصله فقلنا بالنسبة إلى مصيبة"مُصَاوِب"لأن أصل الياء فيها واو، ولا يجوز قلب حرف المد همزة لأنه غير زائد. القياس إذن هو المعيار الصرفي الذي استند إليه ابن جني في تخطئة (مصائب) ، وحين وافقه السيوطي على تخطئة (مصائب) ، عبّر عن تشبثه بالمعيار نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت