ثاني المعيارين هو معيار الجوهري. فقد حكم السيوطي على (مصائب) بالصواب نقلًا عن الصحاح للجوهري وهو في حكمه الجديد استند إلى معيار آخر مفاده أن اجتماع العرب حجة (53) . واجتماع العرب يعني (السماع) ، والسماع أقوى من القياس وسابق عليه كما قرر السيوطي نفسه في الاقتراح والمزهر (54) .
استعمل السيوطي معياري السماع والقياس في الحكم على (مصائب) ، وهما معياران متناقضان بالنسبة إلى هذه الكلمة، لأنها مطردة في الاستعمال شاذة في القياس (55) . وهذا يدل على ازدواجية المعيار لديه، كما يدل على أنه لا يملك تطبيقًا. ويمكنني تعزيز هذه الدلالة بالقول إن موقف السيوطي من كلمة (مصائب) يذكرنا بحماسته للاحتجاج بقراءات القرآن الكريم كلها.
فقد"تواترت القراءة عن نافع المدني وابن عامر الدمشقي، وهما إمامان عظيمان من أئمة القراء، في قوله تعالى:)وجعلنا لكم فيها معائش ( بالهمز، وهي غير قراءة الجمهور(56) . ولكنها قراءة تدل على أن وزن (فعائل) في صيغة منتهى الجموع ليس مقصورًا على المفرد الذي يضم حرف علة زائدًا، بل يشمل معاملة الحرف الأصلي معاملة الزائد إذا كان شبيهًا به في اللفظ (57) . وقد تواتر السماع عن العرب بالنسبة إلى لفظتي (مصائب ومنائر) ، وهما مثل (معائش) في أن همزتها منقلبة عن حرف أصلي. ولو كان للسيوطي موقف تطبيقي لاحتج بقراءة نافع وابن عامر على صحة معائش ومصائب ومنائر، ولكنه -كما هو واضح -نسي ما كان قرره من ضرورة الاحتجاج بقراءات القرآن كلها حين حكم على (مصائب) بالغلط وهي مثل (منائر ومعاش) ."