ولا أزعم- كما ذهب إليه صاحب رسالة البحث الدلالي عند ابن سينا- أن الأصوليين القدماء أهملوا علم المبنى، واقتصروا على الجانب الصوري منه، مقتفين منهج اللغويين والمناطقه، بينما يتجه التفكير في أصول الفقه من اللفظ إلى المعنى ، إذ عَلَّلَ بهذا ما أقحموه من الجدل الفلسفي الكثير ، الدائر في فلك الذهن ، دون واقع الاستعمال اللغوي، حتى تأثرت بها المقاصد الشرعية عندهم، في وجوه الدلالة على الأحكام [1] .
وبهذا اسقط الباحث مبالغتهم في استعمال ذلك الجدل- وهي قضية منهجية- أسقطها على جانب موضوعي، وهو علم المبنى، مدعيًا إهمالهم له ! على الرغم من أن درسهم ينصب في مرحلته الثانية - بعد دراسة المفردة - على مبنى الجملة، وما يؤديه من دلالات، على أن جمهورهم يستغني دومًا عن ذلك النوع من الجدل، ويعود إلى واقع الاستعمال اللغوي ؛ ليثبت ما يريد، كما سيظهر في ثنايا هذا البحث .
والبحث الأصولي في دلالة النص ، قوامه عملية استقراء واسعة ، لأنواع العلاقات التي تقوم بين اللفظ والمعنى في الخطاب البياني ؛ لغرض ضبطها ، وصياغتها في قواعد . كما أنهم يبحثون معقول النص في القياس الفقهي ، وهو تمديد حكم الأصل الوارد في النص ، إلى الفرع غير الوارد فيه ، باعتماد ما يعقل من النص ، فهما مستويان: ( اللفظ ، والمعنى ) أي: الدلالة ، و ( الأصل والفرع ) أي: دلالة معقول النص ، ويحتل الأول موقع الأصل في الثاني [2] .
6 -مفهوم اللغة عند الأصوليين:
(1) ينظر: البحث الدلالي عند ابن سينا 34.
(2) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3/167 .