وإن صلة الدلالة بالبلاغة من حيث إنّ الثانية فرع من الأولى ، بل الأبحاث البلاغية ( ولا سيما علم المعاني ) كلها مُنْصَبٌّة على مقصد المتكلم ، ليوافق كلامه مقتضى الحال ، فهي بذلك تتفق مع بحث الأصوليين للكلام ؛ ليصلوا إلى مقصد المتكلم ، فكلاهما يبحث عن الدلالة الحقيقية بالمعنى الثاني . فالأصوليين بحثوا قضية تفسير النص ؛ ليستخلصوا المعنى الدقيق والأرجح ، في حين ركَّز البلاغيون على الجانب التأثيري ، وكيفية أداء المعنى ليوافق مقتضى الحال . فكلاهما غايته المعنى .
وقد ذكر ابن خلدون [1] حاجة دارس أصول الفقه بأنه ( يتعين عليه النظر في دلالة الألفاظ ؛ وذلك أن استفادة المعاني على الإطلاق من تراكيب الكلام يتوقف على معرفة الدلالات الوضعية: مفردة ، ومركبة .. ... ثم إن هناك إستفادات أخرى خاصة من تراكيب الكلام .. ... فكانت كلها من قواعد هذا الفن ، ولكونها من مباحث الدلالة كانت لغوية ) [2] .
وحيث يتوقف استنباط الأحكام من نصوص القرآن والسنة، على معرفة الأصولي بأساليب العربية وطرق الدلالة فيها، ومدلولات ألفاظها: إفرادًا وتركيبًا، فقد اعتنى الأصوليون باستقراء الأساليب العربية وعباراتها، وما يطرأ على الكلام من: عموم وخصوص ، واطلاق وتقييد ، وقصر، وتوكيد ، ونفي ، واستفهام ، وما يدل عليه سياق الكلام جملة من: إيماء ، وإشارة ، وتنبيه ، وفحوى ، وأمثاله 1 . واستخرجوا من هذا ومما قرره علماء العربية قواعدَ وضوابط لفهم النصوص الشرعية فهمًا صحيحًا [3] .
(1) 3 مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون ، ص360 ، دار العودة ، بيروت ، 1981م .
(3) 1 ينظر: البحث النحوي عند الأصوليين 29 .
2 ينظر: علم أصول الفقه: عبد الوهاب خلاف ، ص160 ، ط5 ، 1372هـ = 1952م ، مط النصر ، القاهرة ، وأصول الفقه: محمد أبو زهرة ، ص110 - 111 ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1377هـ = 1957م .
3 ينظر: ابن قيم الجوزية (جهوده في الدرس اللغوي) : د . طاهر سليمان حمودة ، ص171، جامعة الإسكندرية ، مصر، ودراسة المعنى 1 .
4 بنية العقل العربي: د . محمد عابد الجابري ، ص56 .
5 ينظر: البحث الدلالي عند ابن سينا: مشكور كاظم العوادي ، ص24 ، رسالة ماجستير ، كلية الآداب ، جامعة بغداد ، 1411هـ = 1990م .
6 ينظر: لسان العرب: مادة ( دلل ) ، والكليات: أبو البقاء أيوب بن موسى الكفوي (ت1094هـ) ، تحـ: د . عدنان درويش ومحمد المصري ، ص439 ، ط1 ، مؤسسة الرسالة ، 1412هـ .