... ومما ينبغي التنبه له ، أن غرض البلاغيين هو تجريد المعاني المستفادة من النصوص بكل ما في النص من طاقات دلالية ؛ لغرض تحديد المعنى العملي ، الذي هو هدف العمل الأصولي ، والمراد فهمه وتطبيقه في الواقع . ولذلك فإن مسار البحث قد اتخذ من اللغة لغة علمية ، (وهنا أضحت اللغة في عقولهم لغة علمية ، تتحدد بها الفكرة وتتضح ؛ لارتباطها بالحكم الشرعي المراد تطبيقه) [1] ، فهي تختلف عن اللغة الأدبية ، فتنحو لتجريد اللفظ عن صفة الانفعال العالقة به أول وضعه واستعماله فيما وضع له ، إذ تهتم اللغة الأدبية بالمعنى الجمالي الذي لا يركز عليه البحث الأصولي ، متجهًا للمعنى العملي فحسب ، وذلك ما يظهر من تعريفاتهم للغة أيضًا .
... وأرجو أن أكون قد وفقت في لمّ أطراف هذا الموضوع، وعرض مسائله عند دارسي الدلالة ، والمهتمين بالمعنى اللغوي ، ووصل جهود المحدثين بالمفاهيم والأفكار عند القدماء ، فيما قدموه لبناء العقلية اللغوية وتنظيم الأفكار بناء عليها بعد ذلك .
والله الموفِّق
الباحث
(1) التصور اللغوي 39 .