... وقال الحمصي عن ابن المقفع:"ونسب إليه بعضهم أنه عارض القرآن، وألف كتابًا حمل فيه على الإسلام وانتقد القرآن، وأوّل من اتهمه بذلك القاسم بن إبراهيم الرازي (246هـ) ، فقد ألّف رسالة (الردّ على الزنديق اللعين ابن المقفع) ، وهو يعرض فيها أقوال ابن المقفع في هذا الكتاب، ويحاول أن يدحضها بالحجج" (33) .
... وكلام الحمصي هذا بحاجة إلى تدقيق، ولو أمكننا الوقوف على كتاب القاسم بن إبراهيم الرازي السابق الذكر لكانت الصورة أوضح، ثم قال الحمصي:"ويرجّح أن الكتاب ليس لابن المقفع: عدم النص عليه عند ذكر مؤلفات ابن المقفع غير رسالة القاسم بن إبراهيم الرازي السابق الذكر، مع أن كتبه كانت معروفةً مشهورةً في العصر العباسيّ (34) ، إن أسلوب الكاتب ليس عربيًا على ما هو معروف من براعة ابن المقفع في الكتابة، وجمال الأسلوب...".
... ولا ندري ماذا يقصد الحمصي بقوله:"إن الكتاب ليس لابن المقفع"، فإذا كان يقصد الدرّة اليتيمة فهناك عشرات الروايات تنسب هذا الكتاب لابن المقفّع. وسنعرض من خلال البحث بعضها، كما أن عددًا من الكتّاب، والأدباء أثنوا على الدرّة اليتيمة، وشهدوا بتميزها، بل قد ذكرها ابن النديم (35) ضمن الكتب المجمع على جودتها.
... أمّا في ضبط اسم كتاب ابن المقفع (الدرّة اليتيمة) الذي نسب إليه أنه عارض القرآن الكريم فيه، فثمَّ اختلاف عظيم. فقد ذكره صاحب كشف الظنون باسم: (الدرة اليتيمة والجوهرة الثمينة) ،واكتفى بعضهم بتسميته بـ (الدرّة اليتيمة) فقط، وقد سبق أن الباقلاني قال: (الدرّة والتليمية) ، وكان يمكن أن نقول: إن هذا تحريف من الناسخ فقد جعل الكتاب اثنين، لو لم يؤكد الباقلاني مراده ومقصوده بقوله:"وهما كتابان" (36) ، فألبس علينا الأمر، وسنأتي لهذا بعد حين.
... وأودّ الوقوف هنا ثلاث وقفات: