... وكذلك خلت أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام- من لفظ المعارضة الذي يحمل هذا المفهوم، وإن كانت الأحاديث قد سجلت هذا اللفظ للرسول -عليه الصلاة والسلام- بمعنى المقابلة، ولكن في غير مقصودنا الذي أسلفناه، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام:"إن جبريل كان يعارضني القرآن كلّ سنة، وإنه عارضني العام مرّتين" (16) .
... ولا يخفى أن المعنى هنا مقابلة القرآن بالقرآن، وهو خلاف مقابلة القرآن بغيره. وإخال أن خلو الحديث النبوي، وكتب السِّيَر عامة من موقف واحد للنبي- صلى الله عليه وسلم- يقف فيه وجهًا لوجه مع المشركين المعاندين، محاجًا لهم، ومناظرًا بنظم القرآن يعود إلى أنه -عليه السلام- اكتفى بآيات التحدي الواردة في القرآن الكريم، فقد تحصلت بها الغاية المنشودة، وتحقق بها المراد، والله تعالى أعلم.
المبحث الثاني: من روي عنه أنه رام معارضة القرآن ثم أقلع عن فعله حال شروعه في نظم المعارضة ولم يبدها للناس
المطلب الأول- كفار قريش:
... يروى أن كفار قريش قصدوا أن يعارضوا القرآن، فعكف فصحاؤهم على لباب البر، ولحوم الضّأن، وسُلاف الخمر أربعين يومًا؛ لتصفو أذهانهم، فلما أخذوا فيما قصدوه، وسمعوا هذه الآية: (وقِيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقُضِي الأمر واستوت على الجودي و قيل بعدًا للقوم الظّالمين) [هود: 44] .
... يئسوا مما طمعوا فيه، وقال بعضهم لبعض: هذا الكلام لا يشبه كلام المخلوقين، فتركوا ما أخذوا فيه، وتفرّقوا (17) .
المطلب الثاني- ابن المُقَفَّع (ت: 145هـ) :
... عبد الله بن المقفع أحد البلغاء، والفصحاء، ورأس الكتاب، وأولي الإنشاء، كان من مجوس فارس، وأسلم، وكان يتهم بالزندقة، ولي والده خراج فارس للحجاج، فخان، فعذبه الحجاج، فتقفعت يده (18) .
... أما اسمه: فذكر صاحب الفهرست أن اسمه قبل الإسلام روزبة، وكان يكنى قبل إسلامه أبا عمرو، فلما أسلم اكتنى بأبي محمد (19) .