ومن غريب ما نظرت إليه في هذه المسألة ما ذكره الإمام الباقلاني بسؤاله الافتراضي الذي تمم به قوله: ( إن الصرفة دلالة على صدق محمد- صلى الله عليه وسلم -) ،-وكنت أتمنى أن لا يكون- حيث قال:"ولو عورض، وصرف الله دواعيهم عن نقل معارضته لكان ذلك آية، ومعجزة للنبي -صلى الله عليه وسلم-" (217) ، وهذا القول مردود بما ذكرناه هنا، وبما ذكرناه في الصرفة، فهو ينسف حقيقة إعجاز القرآن التي أسس عليها الباقلاني كتابه إعجاز القرآن، ويجعل الإعجاز في صرف الله للعرب عن نقل معارضاتهم للقرآن لا في القرآن ذاته، وبذلك نكون قد نفينا صفة الإعجاز عن القرآن، وأضفناه لأمر خارج عنه، ثم ألم يكن للعرب قبل نزول القرآن ما يوازي القرآن في بلاغته حسب هذا الزعم!، أم إن الله تعالى صرف دواعي العرب عن نقله أيضًا!، وثمَّ سؤال: لماذا لم يدرك العرب أنهم قد صرفوا عن نقل المعارضات؟ وثمَّ سؤال آخر: لماذا نقلت معارضات مسيلمة، وغيره إذا كانوا مصروفين عن ذلك؟، فثبت سقوط هذا القول وبطلانه.
ثانيًا- شبهة عدم نقل المعارضات لغلبة مستجيبيه، والخوف منهم:
... من الشبه التي تنضوي تحت هذا الجانب أنه من الممكن أن القرآن قد تمت معارضته غير أن المعارضة لم تنقل لعلة من العلل، فالأمور الظاهرة قد لا تنقل لسبب، وعلة اقترنت بها، فحالت دون ظهورها وشيوعها، ولعل أهم هذه العلل ما يتعلق بالقهر، والغلبة، والرهبة، والرغبة، والمنفعة، والمضرة، والجواب على هذه الشبهة من وجوه (218) :
1-إن الخوف يقتضي ترك الإظهار لا ترك النقل، وربما دعا المنع إلى الإكثار من النقل، وهذه طريقة معروفة فيما يقع المنع فيه من سلطان، وغيره أنه يكون أقرب إلى الانتشار.
2-هل عدل المشركون عن محاربة النبي -عليه الصلاة والسلام- لهذه العلّة؟، وعن المهاجاة، ونسبته إلى الجنون، والسحر؟!