فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 63

... وممن زعم أن الصرفة حالت دون وقوع المعارضة أيضًا ابن سنان الخفاجي الذي قال:"إن أسلوب القرآن لم يبعد كثيرًا عن فصيح الكلام المختار من كلام العرب، ولكن معجزة القرآن للعرب إنما جاءت من جهة أنهم سلبوا العلوم التي كانوا يستطيعون عن طريقها معارضته، وصرفوا عن الإتيان بسورة من مثله" (184) .

... ويعلل صاحب الطراز جريان هذا القول على ألسنة العلماء بقوله:"والذي غرّ هؤلاء حتى زعموا هذه المقالة ما يرون من الكلمات الرشيقة، والبلاغات الحسنة، والفصاحات المستحسنة الجامعة لكل الأساليب البلاغية في كلام العرب الموافقة لما في القرآن، فزعم هؤلاء أنّ كل من قدر على ما ذكرناه من تلك الأساليب البديعة، لا يقصر عن معارضته" (185) .

... قلت: ثمَّ أسباب أخرى دفعت إلى القول بالصرفة منها الطعن في الدين، ومنها التباس مفهوم المصطلح على بعضهم، ومنها أن بعض العلماء أرادوا من إثبات الصرفة إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا سبيل الإمام الباقلاني صاحب كتاب الإعجاز الذي نافح فيه عن بلاغة القرآن، فقد قال في كتابه نكت الانتصار لنقل القرآن:"ولن يعدو عدولهم عن معارضته من أحد أمور: إما أن يكونوا ليس في قدرتهم التكلم بمثله، ولا في طاقتهم أن يكونوا قادرين عليه، وأعرضوا عن معارضته لعلمهم أنه من عند الله، أو يكونوا كانوا قادرين على الإتيان بمثله، فلما تحداهم أفقدهم الله تعالى القدرة عليه، وصرف دواعيهم عن تكلفه، فوجب بما وصفناه دلالتُه على صدق الرسول- صلى الله عليه وسلم- على كل حال" (186) .

... وعلى هذا الدرب سار الإمام البيهقي في كتابة الاعتقاد الذي عنون بابًا فيه بـ (إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم...) قال تحته:"ومنهم مَن قال: إعجازه في أن الله أعجز الناس عن الإتيان بمثله، وصرف الهمم عن معارضته مع وقوع التحدي، وتوفر الدواعي إليه لتكون آية للنبوة، وعلامة لصدقه في دعواه" (187) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت