... ويدل على قصد المعارضة طريقة وضعه لهذا الكتاب، فقد ذكر فيه كلمات مرموزة، وأمثالًا في لفظ فصيح عجيب، بحيث لا يقف الناس إلا على قليل منه، ولا يفهمه إلا مَن يَقرأه عليه، وما ذاك إلا للتلبيس على الناس حتى قام هو بشرحه، ولعله فعل ذلك بعد أن استحيا مما صنع، ومما يدل على احتواء الكتاب للمعارضة: اتهام الناس له بأنه وضعه معارضة للقرآن (163) . وربما تمسك بعضهم بعبارة أبي العلاء المعرّي في رسالة الغفران حيث شهد للقرآن الكريم، وذلك في سياق رده على ابن الراوندي الذي زعم معارضة القرآن، فقال:
"وأجمع ملحد ومهتد، وناكب عن المحجَّة ومقتدِ، أنَّ هذا الكتاب الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- بهر بالإعجاز، ولقي عدوّه بالأرجاز، ما حُذي على مثال، ولا أشبه غريبَ الأمثال، ماهو من القصيد الموزون، ولا الرَّجز من سهل وحزون...، وإن الآية منه أو بعض الآية، لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون، فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جُنْح غسقٍ، والزّهرة البادية في جدوبٍ ذاتِ نسق، فتَبارك الله أحسنُ الخالقين" (164) .
... وهذا لا ينفي معارضة أبي العلاء للقرآن الكريم، إذ قد يبلغ الإعجاب بالنفس حدًا قاتلًا يجعل المرء يفخر بنفسه أنه بلغ في العلم غايته، وكمال ذروته، فربما عارض، وقابل، وأظهر معارضته، ثم علم ضعفه، وعجزه بعد حين، ولا يمنع أن يكون المعري قد شهد بذلك بعد أن أيقن عظمة القرآن، فهذا النص للمعري في كتابه رسالة الغفران التي ألفها سنة 414هـ تقريبًا، أي بعد تأليفه للفصول والغايات بنحو عشر سنوات،فقد ألَّف كتاب الفصول والغايات وهو في ريعان شبابه، في الخامسة عشرة من عمره كما أشار محقق الكتاب (165) ، فلعلها زهوة شباب، ورعونة أيقظتها سنوات عشر توالت عليه.
المطلب الثاني عشر- شُمَيْم (ت: 601هـ) :