الصفحة 29 من 40

وبعد هذا العرض للأقوال السابقة، واستبعاد الثاني منها، فإنه يبقى احتمالان في معنى الأيام الستة:

1-فإما أنها أيام في مقدار الأيام العادية ، وهو ما استدل عليه بعضهم بحديث مسلم، ولكنَّ دلالته عليه مضطربة وغير واضحة كما بينت.

2-وإمّا أنها أطوار زمنية أو أيام من أيام الله، لا يعلم زمنها على حقيقته إلا الله عز وجل، ويؤيد ذلك النظريات العلمية الحديثة، بل والحقائق العلمية الدالة على نسبية الزمن، وأنَّ اليوم على الأرض ليس هو نفسه في الكواكب الأخرى، مما يدل على أنه ليس شرطًا أن يكون اليوم الواحد من الأيام الستة التي تم فيها الخلق مقداره أربعٌ وعشرون ساعة [1] .

والذي أميل إليه بعد تأملٍ وطول نظر أن التوفيق بين حديث مسلم والآيات القرآنية أمرٌ في غاية التكلّف، لأن مُباينة ما في الحديث لما في الآيات أمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى بيان. فالأصح كما يظهر لي أنَّ الأيام السبعة التي في الحديث هي غير الأيام الستة التي في القرآن الكريم، فالقرآن يتكلم عن أيام ستة خلقت فيها السماوات والأرض، والحديث يتكلم عن أيام سبعة خلقت فيها الأرض، وخُلق فيها آدم عليه السلام، وليس شرطًا أن يكون اليوم من الأيام الستة مساويًا من الناحية الزمنية لليوم من الأيام السبعة، بل اليوم في هذه غيره في تلك، وهذا ما يحتّمه علينا تقديرنا لحديث رواه الإمام مسلم.

(1) ففي عطارد مثلًا، وهو الكوكب الأقرب إلى الشمس، فإنَّ السنة فيه بمقدار ثلاثة أشهر على الأرض، وفي المقابل فإنَّ السنة في كوكب بلوتو وهو الأبعد عن الشمس بمقدار (248) سنة على الأرض. وهذا الاختلاف الكبير في المقياس الزمني على مجرتنا الصغيرة، فكيف الحال بالنسبة لهذا الكون بشكل عام. انظر: السقا، السيد:"الزمن خارج الأرض"، مجلة منار الإسلام، العدد 1، محرم 1416هـ/ يونيو 1995م، ص 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت