الصفحة 26 من 40

وظاهر الحديث السابق يشير إلى أنّ أيام خلق السماوات والأرض أيام عادية، وهذا أمر غير معقول؛ لأنَّ هذه الأيام التي يُحدُّ ليل اليوم ونهاره منها بأربعٍ وعشرين ساعة من الساعات المعروفة لدينا، إنما وُجدت بعد خلق الأرض والشمس والقمر، فكيف يكون أصل خلقها في أيامٍٍ منها؟

وهذا أمر يمكن الرد عليه، إذ يصبح المعنى صحيحًا وممكنًا بتقدير محذوفٍ في السياق فيكون المعنى: أي في مقدار ستة أيام، وليست الأيام الستة هي نفسها التي وقع فيها الخلق، وهذا كقوله تعالى: { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } [مريم: 62] والمراد مقدار البكرة والعشي، لأنَّه لا ليل في الجنة ولا نهار [1] .

ثم إنَّ في هذا الحديث ما يشير إلى أنَّ أيام الخلق سبعة، وظاهر هذا أنه مُتناقض مع النص القرآني الذي ينص على أنها ستة، كما أنّ هذا الحديث يتحدث عن خلق الأرض وليس فيه ذكر لخلق السماء. وهذا ما جعل جماعةً من العلماء يردّون هذا الحديث على الإمام مسلم، ويعدونه من روايات أبي هريرة عن كعب الأحبار لا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [2] .

(1) من المفسرين الذين ذهبوا إلى هذا التقدير: الزمخشري: الكشاف، ج3، ص281. أبو حيان: البحر المحيط، ج4، ص310. ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج8، ص62.

(2) وفيما يلي بعض هؤلاء العلماء وأقوالهم في الرد على الحديث:

1-... قال الإمام البخاري:"وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح". انظر: البخاري: التاريخ الكبير، (بيروت: دار الكتب العلمية) ، ج1، ص413-414.

2-قال ابن تيمية:"ونازعه - أي مسلم - فيه من هو أعلم منه كيحيى بن معين والبخاري وغيرهما فبينوا أنَّ هذا غلط، ليس هذا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والحجة مع هؤلاء، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأنَّ آخر ما خلقه هو آدم، وكان خلقه يوم الجمعة، وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أنه خلق ذلك في الأيام السبعة". انظر: ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم: مجموع الفتاوى، (الرياض: دار عالم الكتب، 1412هـ/1991م) ، ج1، ص256-257.

3-قال ابن كثير:"هذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه ابن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأنَّ أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعًا". انظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج1، ص69.

4-وقال عنه في موضع آخر:"ثم في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه خلق السماوات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، لأنَّ الأرض خُلقت في أربعة أيام، ثم خُلقت السماوات في يومين من دخان". انظر: ابن كثير: البداية والنهاية، تحقيق: أحمد فتيح، (القاهرة: دار الحديث، 1414هـ/1994م) ، ج1، ص16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت