وهذا يجعلنا نتشبث أكثر بالرواية الصحيحة في قصر الصلاة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والروايات التي وافقتها عن الصحابة - رضي الله عنهم - ؛ ففيها المخرج من الخلاف الفقهي، والجدل العلمي، وأنجى، وأَسْلم. والله أعلم.
خلاصة القول:
بعد هذا العرض والمناقشات أقول: إنّ الأسلم للباحث بعد هذا الجهد أن يقول: إنه لا نكير على من قصر في ثلاثة فراسخ، وهي مسافة تسعة أميال، أو مسافة ثلاثة أميال في رواية؛ لقوة هذا المذهب في أدلته، وعلى رأسها فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفعل عدد من الصحابة - رضي الله عنهم - . ومن اطمأنت نفسه لقصر المسافة في ثمانية وأربعين ميلًا على الاختلاف البعيد بمساواتها بالكيلومترات؛ فله ذلك.
فالقصر رخصة على التخيير، وصدقة من العلي القدير، وسنة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ، البشير النذير. والأولى فعلها، ولا يأثم المسافر بتركها. والله تعالى أعلم.
قال ابن تيمية:"ولكن هذه مسائل اجتهاد؛ فمن فعل بقول بعض العلماء؛ لم يُنكر عليه" [1] . والله أعلم.
المبحث الثاني
مدّة القصر
المطلب الأول
المدة التي يباح للمسافر القصر فيها
للعلماء في المدة التي يباح للمسافر القصر فيها مذاهب، وسأعرض أشهر مذاهبهم بأدلتها، وأبين الراجح منها، وعدَّ النووي في مدة القصر أقوالًا منها:""
1-أربعة أيام غير يومي الدخول، والخروج: وهو مذهب الشافعية، وقول عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، وابن المسيب، ومالك، وأبي ثور.
2-خمسة عشر يومًا مع يوم الدخول: مذهب الحنفية، والثوري، والمزني، ورواية عن ابن عمر.
3-اثنا عشر يومًا: وهو قول الأوزاعي، وابن عمر في رواية، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
4-تسعة عشر يومًا: وهو قول ابن عباس، وإسحاق بن راهويه.
5-عشرة أيام: مذهب الحسن بن صالح.
6-أكثر من خمسة عشر يومًا: قول أنس، وابن عمر، وسعيد بن جبير والليث.
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى. ج24ص15-16.