ويرجح ابن تيمية القصر في السفر الطويل، والقصير. قال:"لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوقِّت للقصر مسافة، ولا وقتًا، وقد قصر خلفه أهل مكة بعرفة، ومزدلفة، وهذا قول كثير من السلف، والخلف؛ وهو أصح الأقوال في الدليل؛ ولكن لا بدّ أن يكون ذلك مما يُعدّ في العرف سفرًا" [1] .
والذي أريد أن أذهب إليه في مسألة الروايات المختلفة عن الصحابة؛ هو اعتماد الرواية عنهم فيما اتفق مع فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما صحت الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - . وأما ما عارض فعله - صلى الله عليه وسلم - وما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - ؛ فيعدّ من الحالات التي وقعت في حياتهم، وقصروا - رضي الله عنهم - فيها، ولا تُعارِض قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسافة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ؛ بل تدل كلها أنهم كانوا يقصرون - رضي الله عنهم - ؛ لكل ما يسمى سفرًا. والله أعلم.
4-تقدير الأميال الهاشمية (48ميلًا) بالكيلو مترات:
تعدّ مسألة تقدير الأميال الهاشمية بالكيلومترات، من المسائل المشتتة لمذهب جمهور الفقهاء؛ بتقدير المسافة بتلك الأميال، وحسابها بالمقاييس الحديثة في زماننا؛ فهناك فوارق كبيرة في تقدير تلك الأميال؛ فأقل تقدير لها: 44 كم، وأكبر تقدير لها: 133 كم. وإذا اعتمدنا الأشهر على ترجيح ابن حجر: تكون 116كم. وإذا اعتمدنا الأقل 44 كم، يكون الفرق بين أقل تقدير وأكبر تقدير 89كم، وهي مسافة لا يستهان بها في المقاييس.
وهذه مشكلة أخرى تبرز فيما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أنّ مسافة القصر ثمانية وأربعون ميلًا. والاختلاف الشديد في تقديرها بالمقاييس المعاصرة.
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى. ج24ص15.