وبيّن ابن حجر أنّ رواية البيهقي للحديث تردُ هذا المحمل وهي: ما رواه يحيى بن هانيء قال: سألت أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة؛ فأصلي ركعتين؛ حتى أرجع. فقال أنس - رضي الله عنه -:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ ـ شك شعبة ـ؛ قصر الصلاة [1] ."
فهذه الرواية صريحة في ردّ ادعاء ما حمله بعض الفقهاء؛ في تأويل قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - مسافة ثلاثة أميال، أو فراسخ. وهي رواية صريحة تنص على أنه سأل أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن قصر الصلاة، ولم يسأله عن مكان ابتداء قصر الصلاة؛ بدليل قوله"كنت أقصر إذا خرجت من الكوفة إلى البصرة؛ حتى أرجع". فيحيى سأل أنس - رضي الله عنه - عن قصر الصلاة بتلك المسافة من البصرة إلى الكوفة؛ فأجابه أنس قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ.
وهناك رواية أخرى تؤكد قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسافة أقل من ثمانية وأربعين ميلًا، وهي رواية صحيحة.
عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السِّمْط إلى قرية على رأس سبعة عشر، أو ثمانية عشر ميلًا؛ فصلى ركعتين؛ فقلت له، فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال:"إنما أفعل كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل" [2] .
وهذه رواية تتحدث عن سفر من أسفار النبي - صلى الله عليه وسلم - .
قال ابن حزم:"لو كان هذا السفر في طريق الحج؛ لم يسأله، ولا أنكر ذلك" [3] .
ومعلوم أنّ المسافر يصح له القصر؛ إذا فارق بيوت بلده، وليس لذلك مسافة محددة؛ فمن أين أتى التأويل المذكور؟
(1) البيهقي: سنن البيهقي الكبرى. ج3ص146.
(2) النيسابوي: صحيح مسلم. ج1ص481.
(3) ابن حزم: المحلى. ج2ص198.