فالحاصل أنَّ كلَّ اختلاف على الرَّاوي داخل في علم العلل بصنيع من سلف من علماء الحديث وعلله ، سواء كان الاختلاف قادحًا أم لا ، وسواء كان في السَّند أم المتن . وأما إدخال روايات الضُّعفاء في كتب العلل فلأَنَّ هذا يسمى علة من حيث الأصل ، ولأنَّ الاصطلاح لم يستقرَّ بعد ، والأمر سهل ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، إن لم يترتب على ذلك تأثير في النهج العلمي التطبيقي ، والحاجة إلى تنويع العلم وتقسيمه من سمات العصور المتأخرة - كما هو معلوم - في شتى العلوم ، والإنكار على هذا فيه تشديد .
4-المؤلفات في العلل
لعل ما أُلِّفَ في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أكثر المؤلفات التي تركها علماء السَّلف الصالح لمن بعدهم . ومن بين هذه المؤلَّفات ما كتبه المحدثون في علل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . إلا أنَّ ما ألِّف في العلل قليل بالنِّسبة لبقية تلك المؤلَّفات ، كما أنَّ ما سَلِم منها وبقي حتى الآن لا يكاد أن يذكر كذلك . ولا شكَّ أَنَّ هذا يترك شيئًا من الحزن في قلب أهل العلم ، أن فاتهم ما فيها من علم .
قال الخطيب وذكر مصنفات ابن المديني: « وجميع هذه الكتب قد انقرضت ولم نقف على شيء منها إلا على أربعة أو خمسة حسب ولعمري إنَّ في انقراضها ذهاب علوم جمة وانقطاع فوائد ضخمة » [1] .
وقال أَيضًا بعد ذكر العشرات من كتب ابن حبان المفقودة: « مثل هذه الكتب الجليلة كان يجب أن يكثر بها النسخ ويتنافس فيها أهل العلم ويكتبوها لأنفسهم ويخلدوها أحرازهم ، ولا أحسب المانع من ذلك إلا قلة معرفة أهل تلك البلاد لمحل العلم وفضله وزهدهم فيه ورغبتهم عنه وعدم بصيرتهم به ، والله أعلم » [2] .
(1) الجامع للخطيب (2/467) .
(2) الجامع للخطيب (2/471) .