وقال الخطيب: « أشبه الأشياء بعلم الحديث معرفة الصَّرف ونقد الدِّنانير والدِّراهم ، فإنه لا يعرف جودة الدِّينار والدِّراهم بلون ولا مسٍّ ولا طراوة ولا دنس ولا نقش ولا صفة تعود إلى صغر أو كبر ولا إلى ضيق أو سعة ، وإنَّما يعرفه النَّاقد عند المعاينة ، فيعرف البَهْرَجَ الزَّائِفَ والخالص والمغشوش ، وكذلك تمييز الحديث ، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب بعد طول الممارسة له والاعتناء به » [1] .
واقترن بهذه الأهمية صعوبات كثيرة لا يكاد يدركها إلا الحافظ ومن خاض غمار هذا الأمر وعاناه .
قال ابن المديني: « أخذ عبد الرحمن بن مهدي على رجل من أهل البصرة - لا أسميه - حديثًا ، قال فغضب له جماعة ، قال: فأتوه ، فقالوا: يا أبا سعيد من أين قلت هذا في صاحبنا؟ قال فغضب عبد الرحمن بن مهدي وقال: أرأيت لو أن رجلًا أتى بدينار إلى صيرفي فقال: انتقد لي هذا . فقال: هو بهرج . يقول له: من أين قلت لي: إنه بهرج ؟ الزم عملي هذا عشرين سنة حتى تعلم منه ما أعلم » [2] .
قال ابن نمير: قال عبد الرحمن بن مهدي: « معرفة الحديث إلهام . لو قلت للعالم يعلِّل الحديث من أين قلت هذا ؟ لم يكن له حجة » ، قال ابن نمير: « وصدق ، لو قلت له من أين قلت ؟ لم يكن له جواب » [3] .
وعقَّب السخاوي على قول ابن مهدي الأخير: « يعني يعبر بها غالبًا ، وإلا ففي نفسه حجج للقبول والرفض » [4] .
وقال ابن مهدي أيضًا: « إنكارنا للحديث عند الجهَّال كهانة » [5] .
وقال ابن نمير: « معرفة الحديث بمنزلة الذهب ، إنما يبصره أهله ، وليس للبصير فيه حجة ... » [6] .
(1) الجامع (2/382) .
(2) الجامع للخطيب (2/383) .
(3) العلل لابن أَبي حاتم (1/10) والجامع للخطيب (2/383) .
(4) فتح المغيث (1/236) .
(5) المصدران السابقان ، وعني بالجهال من لا علم لهم بالعلل .
(6) الجامع للخطيث (2/384) .