ومما يدلُّ على قولِ ابنِ مهدي ما حكاه أبو زرعة الرَّازي ، وسأله رجل: « ما الحجَّة في تعليلكم الحديث » ؟ قال: « الحجَّة أن تسألني عن حديث له علَّة ، فأذكر علته . ثم تقصد أبا حاتم فيعلله ، ثم تميِّز كلام كلٍ مِنَّا على ذلك الحديث ، فإن وجدَّت بيننا خلافًا في علته ، فاعلم أنَّ كلًا مِنَّا تكلَّم على مراده ، وإن وجدَّت الكلمة متَّفقة فاعلم حقيقة هذا العلم » . قال: ففعل الرجل فاتفقت كلماتهم . فقال: « أشهد أن هذا العلم إلهام » [1] .
وقال نعيم بن حماد لابن مهدي: « كيف تعرف صحيح الحديث من سقيمه؟ قال: كما يعرف الطبيبُ المجنونَ » [2] .
وقال الحاكم: « إن الصَّحيح لا يعرف بروايته فقط ، وإنَّما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السَّماع ، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ، ليظهر ما يخفى من علة الحديث ، فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصَّحيحة غير المخرَّجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم ، لزم صاحب الحديث التَّنقير عن علته ، ومذاكرة أهل المعرفة لتظهر علته » [3] .
وقال ابن رجب عن الحفَّاظ: « فإنَّ هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث مختصون بمعرفته كما يختصُّ البصير الحاذق بمعرفة النُّقود ، جيِّدها ورديئها ومشوبها ... ، وكلٌّ من هؤلاء لا يمكن أن يعبِّر عن سبب معرفته ، ولا يقيم عليه دليلًا لغيره » ، قال: « وبكل حال ، فالجهابذة النُّقاد والعارفون بعلل الحديث أفراد قليل من أهل الحديث جدًا ... » [4] .
(1) المعرفة للحاكم (ص113) والجامع للخطيب (2/384) ، وقد عبر السخاوي عن ذلك بتعبير آخر فقال: « أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم ردُّه ، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها » - فتح المغيث (1/274) ، وفي عبارته شيء ، فلو عبر بما عبر السلف لكان أولى وأدق .
(2) الجرح (1/252) والمجروحين (1/32) .
(3) المعرفة للحاكم (ص59-60) .
(4) جامع العلوم (27) .