وإذا ما استعدنا تعريف الأصولية للمعرفة وقارناه مع العقلانية والتجريبية، نجد أن ما تفتقده الأخيرتان بنظر الأصوليين هو تعريف شامل وكامل للمعرفة وللحقيقة. وهما كذلك بالفعل لأنهما لا تؤديان إلى فهم كامل للإنسان ووجوده. وعليه، فلا يمكنهما أن يكونا أداة التوصل إلى الحقيقة المطلقة والتعبير عنها [1] . فالفلسفات تتعاطى مع الإنسان كمادة من سائر المواد وكحيوان من سائر الحيوانات؛ لكن تتجاهل خصائصه التي تميزه وتجعل منه كائنًا فريدًا. فالمطلوب من المسلم أن يستقل في فكره ويعتمد على اساس الإسلام لا على النظريات الغربية. وكما قال فرنسيس بيكون تعتقد الأصولية بوجوب انبعاث تأثيرات عملية للمعرفة موصولة إلى العمل. فرفضها للفلسفة الكلاسيكية أو الحديثة سواء أكانت تلك العقلانية أم التجريبية سببها إصرار الأصولية على أن المعرفة الحقة مؤدية بطبيعتها إلى العمل، أولًا، والى إشباع حاجات الإنسانية، ثانيًا؛ فالمعرفة الباردة بحد ذاتها ليست مطلوبة، بل المطلوب تحويل المعرفة إلى قوة باعثة يمكن تحقيقها في الواقع [2] .
(1) عن العلوم، انظر: البنا، المصدر نفسه، ص81-82 و 125؛قطب: معالم في الطريق، ص52، وخصائص التصور الإسلامي ومقوماته، ص53، والخميني، الحكومة الإسلامية، ص132 - 134.
(2) قطب: المصدران نفسهما، ص30 - 38 و 40، 9-10 على التوالي، والعدالة الاجتماعية في الإسلام، ص19 و167 - 169؛ الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص140؛ Shari'ati, on the Sociology of Islam: Lectures, pp. 42- 52, 44 45 and 50, and Maudoodi, Towards Understanding Islam, pp. 30 - 31.