إن معرفة الله لا تحيط بها العقول البشرية لأنها قاصرة عن إدراك حقائق الأشياء. فالفلسفة لا تتجاوز كونها ظنونًا لا حقيقة لها ولا معنى، ولا تجدي نفعًا ولا تأتي بنتيجة. فالتصور الفلسفي ينشأ في الفكر البشري لمحاولة تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به. إلا أنه يبقى ضمن حدود المعرفة الفكرية الباردة. لهذا لا يجوز للمسلم أن يكتفي في أمور العقيدة وحقائقها وفي تصورها العام والقيم والمبادئ العامة في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي على مصدر إنساني. وكمثال على هذه المحدودية والانكفاء الذاتي والمباشرة في الفهم هو ديكارت نفسه؛ فبقوله أنا أفكر، إذًا أنا موجود ، حاول ديكارت البرهنة على وجودالله عن طريق البرهنة على وجود نفسه. فمفهوم وجودالله، والذي حاول ديكارت جعله حقيقة موضوعية، ما كان ممكنًا البرهنة عليه إلا بعد البرهنة على عدم قدرة الإنسان على خلق هذا المفهوم. فنحن، حسب ما يقول ديكارت مخلوقات وضيعة لا يمكنها التوصل إلى فكرة الإله إلا عن طريق الإله نفسه. ولهذا، لابد من وجود الله، أما حتمية وجوده فلا يمكن إيجادها إلا في النفس ذاتها [1] . وكما اعتقد الفيلسوف لوك والفيلسوف ماكيافيلي والشيخ محمد عبده، تعتقد الأصولية بأن أجزاء من الطبيعة مغلقة أمام الفكر الإنساني [2] . فيقول حسن البنا مثلًا بأن السؤال عن الخالق يؤدي إلى ترف فكري وإلى البحث في ذات الله التي لن تتمكن العقول القاصرة من إدراكه. فكل عمل إنساني يصاحبه نقص وجهل وهوى يتجسم في تصورات وثنية وفلسفات غير مجدية.
(2) البنا، مجموعة رسائل الشهيد الإمام حسن البنا، ص473 - 475، وقطب: العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص140 - 146 ، 143 - 267 و 147-270، وخصائص التصور الإسلامي ومقوماته، ص53.