أما إذا كانت الفلسفة تهتم بالعلائق بين ما هو خالد، والتي هي عند أفلاطون الشيء الوحيد الذي يحتمل اسم المعرفة، فإن الأصوليين، وخاصة سيد قطب، الذين يرفضون أولًا مفهوم الموجودات الخالدة ولا يعتقدون، ثانيًا، بمقدرة الإنسان على التوصل إلى المعرفة هم مبررون في رفضهم الفلسفة كالمنهج المناسب للتوصل إلى الحقيقة. فالمحاولة الفلسفية عند الأصوليين كما هي عند الإمام الغزالي والفيلسوف هيوم هي محاولة عقيمة وخاطئة، كما أن فكرة رفض معرفة الله عن طريق العقل غير مستهجنة. بل على العكس من ذلك، فإذا ما تأملنا مليًا نرى أنه في جميع الفلسفات، وعند درجة ما، يتوقف العقل عندها ولا مجال متاحًا للتقدم في البحث العقلي [1] . فإذا ما قابلنا وقارنا فكرة الأصوليين في رفض معرفة الله عن طريق العقل مع فكرة أفلوطين في رفض معرفة الخير نتوصل إلى قصور الفكر المجرد عن فهم الله أو الخير. وعليه فمن الواضح أنه في قمة البحث الفلسفي فإن الفيلسوف لا يمكنه إلا التوقف عن البحث النقدي وإبداله البديهة والفطرة به. ويقود عدم معرفة الخير عند أفلوطين ومعرفة الله عند الأصوليين إلى مبدأ التجاوز لكنها تدفع أفلوطين إلى قبول التأمل كمنهج للاقتراب من المعرفة، بينما يرفض الأصوليون الفلسفة بكل أشكالها ويقترحون الدين الموحى به على العموم والإسلام على الخصوص كبديل للفلسفة.
(1) قطب، هذا الدين، ص22-23. ولآراء مماثلة غربية في الموضوع نفسه، انظر: Machiavelli, Discourses I, I, vi (3) , principle xv.