فالإصلاحيون يرون الدين عاملًا فطريًا، ولكنه في تناغم مع العقل. ويسترشد محمد عبده على هذا، مثلًا، بقوله: إن المسلمين اتفقوا، على العموم، على أن بعض قضايا الدين لايمكن الإيمان بها إلا عن طريق العقل كمعرفة وجود الله وقدرة الله على إرسال الرسل. كما أن المسلمين اتفقوا على أن الدين يحتوي على مبادئ مغايرة للعقل. فالإنسان قادر على البرهنة، مثلًا، على وجود الله، إلا أنه لا يمكنه التوصل إلى فهم حقيقته. ويعود هذا إلى محدودية فهم الإنسان، فهو غير قادر حتى على فهم نفسه فهمًا شاملًا وكاملًا. لكن العقل يبقى من أهم الأمور المساعدة للدين [1] .
علاوة على هذا يجعل محمد عبده الدين من أهم العوامل الفاعلة في تكوين الأخلاق؛ لأنه أكثر تأثيرًا في الناس من العقل، إلا أن ما هو أكثر أهميةً من ذلك هو أن العقل يشكل مصدرًا لمعرفة الدين وللعمل بموجبه. لكن عند التوصل إلى الإيمان، عن طريق العقل، فعلى الإنسان اتباع الرسول [2] . وبمثل هذا يقول محمد إقبال الذي يرى أنه على الرغم من أن الدين يبدأ بالعاطفة إلا أن الدين لا يعتبر نفسه عمليةً عاطفية فقط ويسعى دائمًا إلى البحث في أمور ما وراء الطبيعة: فليس موضوع الدين الأمور الجزئية أو العاطفية أو العمل فقط، بل يشمل التعبير عن الإنسان بأكمله. ففي الإسلام لا يعارض المثال الواقع، لكنه يحاول اختصار المسافة بينهما حيث يستوعب المثال الواقع وبغيره [3] . كما يعرف علي شريعتي الدين على أنه التفسير المنطقي المفهوم والمثالي والروحي للكون الموافق للواقع وللألوهية.
(1) الأفغاني ، جمال الدين الأفغاني: الأعمال الكاملة ، ص440 - 441.
(2) المصدر نفسه، ص111- 113.