وعليه، فعلى المسلمين السعي للتقدم الظاهر في دراسة العلوم، فالأسس الدينية والأخلاقية السلمية لا تتطلب الدين فقط بل هي بحاجة إلى معرفة جوهرية وحقيقية [1] .
وفي الحقيقة، يفهم المفكرون الإصلاحيون المسلمون الفلسفة على أنها علم من العلوم. يقول محمد عبده، مثلًا، إن الإسلام لا يمكنه مناقضة العلم، فهو يؤمن بأن عمل العقل ليس التكهن بل يتلخص في البحث بالمجال العلمي. وبالرغم من أن العقل والوحي متناغمان فإن المفكرين الذين حاولوا مطابقة البراهين الفلسفية والنص على وجود الله وجوهره تجاوزوا حد المعقول؛ فإن تكهناتهم لا يمكن البرهنة على صحتها؛ أما العلوم فيمكن التحقق من صحتها، لهذا، عندما يرى عبده تناسقًا بين الوحي والعقل يعني بالعقل هنا العلوم [2] . والأفغاني، كعبده، يجعل العلم المعيار النهائي ليس فقط عند غموض القرآن أو اختلاف الآراء فيه بل عند مناقضة القرآن للعلوم لأن القرآن يحتوي على مبادئ عامة، فلا يجوز معارضته للعلوم. أما إذا اعتبر أن هناك تناقضًا بينهما فإن المنهج الذي يجب اتباعه هو التأويل [3] ويؤدي توكيد الإصلاحيين على أهمية العلم - من أجل صلاحية تأويل الوحي - إلى رفض المفاهيم التقليدية والفلسفة ومفاهيم علم الكلام والى قبول تأويلات وتفسيرات جديدة في الفلسفة وفي علم الكلام متوقفة في صحتها على العلوم الحديثة.
(1) انظر: جمال الدين الأفغاني: العروة الوثقى ( القاهرة: دار العرب، 1957) ، ص 60 - 61، وجمال الدين الأفغاني: الأعمال الكاملة، دراسة وتحقيق محمد عمارة، 2 ج ( بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979) ، ص9-13 و 16 -17.
(2) محمد عبده، رسالة التوحيد، دراسة وتحقيق محمد عمارة ( بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981) ، ص18-19، 28-46، 32-59، 47-70و 69 - 108.
(3) المصدر نفسه، ص19-46، 31، 20-112 و 51 - 132.