الصفحة 33 من 36

فآيات المختتم تذكرنا أنه ربما أدرك الإنسان الغرور بأدواته المعرفية، فتفضي به النشوة الزائفة إلي الصد عن كتاب الله تعالى، فالحق تعالى يصور لنا العلم البشري المحدود بالقياس إلى العلم الإلهي الذي ليست له حدود، ويقربه إلى تصور البشر القاصر بمثال محسوس على طريقة القرآن الكريم في التعبير والتصوير: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] .

السياق في هذه الآية يعرض البحر بسعته وغزارته في صورة مداد يكتب به البشر كلمات الله تعالى الدالة على علمه، فإذا البحر ينفد وكلمات الله تعالى لا تنفد، ثم إذا هو يمده ببحرٍ آخر مثله، ثم إذا البحر الأخر ينفد كذلك وكلمات الله تنتظر المداد، والبحر هنا يمثل علم الإنسان الذي يظنه واسعًا غزيرًا، وهو على سعته محدود وكلمات الله عز وجل تمثل العلم الإلهي الذي لا حدود له، ولا يدرك البشر نهايته؛ بل لا يستطيعون تلقيه وتسجيله فضلًا عن تلقيه [2] .

حقيق بالمرء أن يماثل بين آية المفتتح من جهة وآية المختتم من الجهة الأخرى، فمثل ما تضمنت استهلال السورة الإِشارة إلى الكتاب الذي هو وحي السماء موصوفًا بالاستقامة فإن آية الختام تتضمن الإشارة إلى هذا الوحي المستمد من علم الله المطلق واللامتناهي، وبالتالي فهو الأجدر بأن يوصف بالإحاطة والشمول.

والمشهدين سواء في المفتتح أو المختتم من سورة الكهف يصلان بين الموقف المعرفي والفعل الأخلاقي { يعملون الصالحات } و { فليعمل عملًا صالحًا } ، ففي المفتتح ثمة تأكيد قرآني أن هدف الكتاب هو بشارة المؤمنين الذين يعملون الصالحات وفي المختتم نقرأ دعوة رجاء لعمل الصالحات وفق رؤية معرفية عمادها نقاء المعتقد.

الخلاصة

(1) سورة الكهف: الآية 109

(2) سيد قطب: في ظلال القرآن ، مرجع سبق ذكره ، 4 / 2297 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت