الصفحة 31 من 36

من خلال تأمل قصة ذي القرنين نستطيع أن نشير إلى أن الأسلوب القرآني يعتمد على البناء على المعنى المحسوس العياني المباشر والانتقال منه إلى المعنى البعيد المرجوح وهو ما يمثل ذروة الاتجاه التجريبي في القرآن الكريم، وهو الاتجاه الذي أحسن تلقيه المسلمون فولد فيهم هذا التوجه النزعة التقديرية للواقع، ومن ثم تيقظت في نفوسهم الروح التجريبية؛ فكانوا بحق واضعي أساس العلم الحديث. وهذا رأي يبدو مخالف لما درج عليه الكثيرون من أن روجر بيكون هو الذي استحدث إدخال الروح الاستقرائية في البحث العلمي، ويحق لنا أن نتساءل قائلين: ومن أين استقى روجر بيكون هذه النزعة ؟ ومن أي المصادر تحصل على معارفه ؟ ليجيء الجواب الذي تؤكده وقائع التاريخ، فروجر بيكون [ 1314م ـ 1392م ] تلقى معارفه وتحصل على العلوم في جامعات أسبانية المسلمة، ولعل من أدق ما انتهى إليه المفكر المسلم محمد إقبال في دراسته للفكر الإسلامي من أن ظهور منهج الملاحظة والتجربة في الإسلام لم ينشأ عن توافق بين العقل الإسلامي والعقل اليوناني؛ بل كان راجعاُ إلى صراع عقلي طويل المدى، فبينما كانت الفلسفة اليونانية تتجه إلى النظري المجرد، كانت الثقافة الإسلامية تدور على الحسيات، وبينما كان هدف الفكر اليوناني التناسب، كان هدف الثقافة الإسلامية في أكثر من جانبٍ من جوانبها النظرية والصوفية تحصيل اللانهائي وإسعاد النفس به. وهكذا فإن الفكر الإسلامي في مدافعته للفلسفة اليونانية، إنما أعاد التأكيد على التصور القرآني بواقعية الوجود [1] .

(1) محمد إقبال: تجديد الفكر الديني في الإسلام ، ترجمة حسن محمود الشافعي وآخرون، القاهرة ، الدار الفنية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولي 2006م ص 48 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت