كما تحتفي سورة ( الكهف ) بالمعرفة التجريبية وتعلي من شأن المنهج التجريبي الذي نجده ماثلًا بصورة جلية في قصة ذي القرنين وتشييده الردم، فنحن إزاء مشهد كأنه يصور لنا معملًا للهندسة الكيميائية تتم فيه معالجة أحد المعادن للاستفادة منه في عمل إنشائي ضخم.
المعرفة والتجربة الحدسية تشع بجلاء في سورة ( الكهف ) من خلال قصة موسى والعبد الصالح، وهي لا تذكر في القرآن كله إلا في هذا الموضع من هذه السورة، ولا تكاد تذكر السورة إلا وتقفز إلي الذهن هذه القصة بفصولها المدهشة كشأن كل تجربة صوفية، والقصة بمشاهدها تشير إلي ذلك العلم اللدني الذي يتجاوز العلم البشري الظاهر، الواضح الأسباب القريب النتائج.
هكذا فإن المتدبر في سورة ( الكهف ) يلحظ أن الخطاب القرآني يصل ما بين مصادر المعرفة الإنسانية كطرائق مكملة بعضها لبعض في بلوغ المعرفة، وفي ذلك اتساق مع سائر الآيات القرآنية التي ما تفتأ يُذكر الإنسان بنعم الله تعالى وآلائه في الأنفس والآفاق، ومن أجل تلك النعم على الإنسان نعمتا الحواس والعقل على السواء، بيد أن صفاء العقل وطهارة الحس يقودان حتمًا إلي تجربة حدسية يوثق بمعطياتها، فالحدس الذي ينظر إليه في إطار التفكير الإسلامي كهبة من الله تعالى، ومدد لدني مصدره الذي يدبر الأمر بحكمته، وفق علمه الشامل الذي يقصر عنه البشر.
إذن فالمعرفة الحسية والعقلية والحدسية وفق ما تعرضه سورة ( الكهف ) تلعب جميعها دورًا معترف به، ويسهم كل منها بنصيب في تكوين الإدراك الإنساني، وهي في تكاملها مفضية بالمرء إلي حالة الرشد.