الصفحة 27 من 36

فالمعرفة التي مصدرها هذا الكتاب إنما هي معرفة حية ذات أثرٍ فعال؛ إذ ما أن تستقر في قلب المؤمن حتى تنتج أثرًا أخلاقيًا خيرًا في الحياة ، فتعاليم الكتاب إنما أنزلت لترسم للناس طريق السعادة والفلاح، وتنظم الحياة في أصعدتها المختلفة، فالكتاب المستقيم القيم ينتهي بالمؤمن إلى كمالات الأفعال الخلقية ? ? ? ? ? [1] .

هذا التلازم والانتقال من الموقف المعرفي إلى الموقف الأخلاقي يظل ملازمًا لمن تدبر على امتداد السورة، فهي كما سبق يهدف غالب السياق فيها إلى تصحيح منهج النظر والفكر وهذا يمثل المحور المعرفي من جهة، وتصحيح القيم والمعايير الأخلاقية والتربوية وفق معالم الاعتقاد القرآني من الجهة الأخرى.

بداهة أن لا يقف الأمر عند هذا المفتتح المعرفي فحسب إذ ما ينتظر من السورة التي كان استهلالها تعظيم الكتاب وبيان سمو قدره إلا أن تجيء حافلة بقضايا المعرفة الإنسانية، وهكذا فلا غرابة أن المتدبر في آيات سورة الكهف يستطيع أن يقف متأملًا أمام ما يزيد عن الخمسين مشهدا وثيقة الصلة بالمعرفة الإنسانية من جملة آيات السورة التي بلغت المائة وازدادت عشر.

ولعل المشهد المعرفي الأول ثاوٍ كما رأينا في آية المفتتح إذ هي تماثل آلاء الله تعالى ونعمه في الخلق والإيجاد والقيومية كما هو في مستهل أخريات السور من جهة وبين إنزال الله تعالى لهذا الكتاب ( القيم غير ذي العوج ) على المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا يخفي على المتدبر ما في هذا من تأكيد إلهي على أن يظل هذا الكتاب بما هو عليه من الصفات مصدر المعرفة الذي يستمد منه المسلم كافة مفاهيمه الكلية.

(1) سورة الكهف: الآية 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت