الصفحة 25 من 36

وليس هذا التوسط فحسب ما تميزت به ( الكهف ) ، فالإشارة هنا إلى ما هو أعجب من ذلك؛ وهو تفرد مفتتح سورة الكهف بما عليه مدار الحمد ومغزاه ومرجعه، فلئن كان مدار الحمد في مفتتح تلك السور يدور مداره حول استحقاقه جل وعظم شأنه للحمد على ربوبيته للعالمين كما في ( الفاتحة ) ؛ و كونه عز وجل خالقًا للسماوات والأرض و جاعلًا للظلمات والنور كما في ( الأنعام ) ، ؛ و كونه تعالى له ملكوت السماوات والأرض كما في ( سبأ ) ؛ و كونه عز وجل فاطرًا للسماوات والأرض جاعل الملائكة رسلًا كما في ( فاطر ) .

بيد أن الأمر في مفتتح الكهف وإن شابه هذه السور الأربع في الاستهلال بحمد المولى عز وجل؛ إلا أن تفرد ( الكهف ) ، يجيء عند النظر إلى مدار الحمد ومغزاه، فالحمد هنا مقترن بنعمة إنزال الكتاب تمامًا كما هو أن حمده مقترن في سائر تلك السور بمعاني قيومية المولى عز وجل وبتجليات الخلق والإيجاد الرباني.

إذن فإن ذكر الحمد في القرآن الكريم يجيء تارة مقرونًا بإيجاد الوجود وأخرى بإنزال الكتاب؛ وفي هذا لمن تأمله تعظيم وإجلال لهذا الكتاب ما بعده من تعظيم أو إجلال، فكأن القرآن الكريم يهدينا عبر هذه المساواة لأن نوقن ويقر في نفوسنا أن نلهج في حمد الله على نعمة إنزال الكتاب الذي هو مصدر المعرفة للمؤمنين، مثلما نحمده على نعم وآلاء الربوبية والقيومية، وفي هذا معنى لطيف حري به أن يقود المسلم ليكون في تصالح مع الكون والوجود والحياة من حوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت