بهذا التمييز يمكن إعطاء كل شيءٍ حقه والاهتداء بكل طرائق المعرفة؛ الوحي من جهة ومصادر المعرفة الإنسانية الأخرى من الجهة الثانية، فالكل حدسًا وحسًا وعقلًا هبات من الله عز شأنه، وجميعها غايتها المثلى هداية الإنسان إلى تحقيق مقصد وجوده، وقيادته للإيمان بالصانع القدير، ولو كان لأيٍ من الحس والعقل والحدس بإفرادٍ كفاية وغناء للإنسان لما كان الوحي.
هكذا نصل إلى النتيجة التي تشير إلى أن الوحي وسائر مصادر المعرفة تتكامل العقل بلا تعارض أو تعاند، ولا غناء لأحدهما عن الآخر، وأن الوحي يضبط الإنسان في مسالك المعرفة وطرائق الهداية.
كما نستطيع أن نخلص أيضًا إلى القول بأن محاولة تغليب أي واحد من هذه المصادر على ما عداه وجعله المصدر الأوحد للمعرفة تنطوي على جانب كبير من الغلو والإفراط؛ بل الأوفق أن نشير إلي أن لكل مجال وسيلته ومصدره المعرفي الأكثر ملائمة؛ إذ ليس هناك وسيلة واحدة ومصدر بعينه يستطيع أن يحقق للمرء الاستغناء عن ما عداه، ومن ثم فلا يستطيع مصدر من هذه المصادر أن يكون كافيًا وشاملًا لكل مجالات المعرفة الإنسانية ما لم يتكامل مع بقية المصادر، فهي متسقة في غايتها وما تنتهي إليه وتمثل في جملتها معايير معتمدة لاكتشاف المعرفة ولا يمكن لأي منها أن يكون بديلًا عن ما سواه .
المبحث الرابع
ملامح التكامل المعرفي من خلال سورة الكهف
لأبي حامد الغزالي أطروحة ضمنها رسالته الموسومة بـ"جواهر القرآن"سعى فيها لإجمال المحاور والمضامين الأساسية التي تنتهي إليها آيات القراءن الكريم النص المقدس؛ محاولًا تحليل آيات القرآن الكريم وردِّها إلى محاور رئيسة، منتهيًا في ذلك إلي أن نصوص الوحي تنتهي عند عنصرين أساسيين، يتصل أحد هذين العنصرين بالمعرفة والثاني بالقيم .