الصفحة 20 من 36

فبحسب العقل أن يواجه الأحوال المتطورة والظروف المتغيرة والحاجات المتجددة، وما عدا ذلك فلا جدوى من الخبط في التيه إنفاقًا للطاقة فيما لا يملك إدراكه لافتقاره قابلية إدراكه، فعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود، فالإنسان لا يدبر هذا الكون فطاقاته ليست شاملة، إنما وهب منها بقدر محيطه وبقدر حاجته ليقوم بالخلافة في الأرض، ويحقق فيها ما شاء الله أن يحققه، في حدود علمه القليل [1] .

حفز وعي الإنسان بمحدودية الأفق الذي يمكن للحس والعقل أن يظهرانا عليه؛ حفز الإنسان لأن يكون أكثر ثقة في خوض التجربة الحدسية؛ وهي تجارب لا تلغي دور العقل بحال من الأحوال، ولكن عبر تسامي تلك الخبرات الحدسية وتناميها المستمر يغدو اليقين المباشر المتحصل من الرؤيا الداخلية هو أعظم من البرهان المنطقي الصوري وأرسخ يقينًا .

وبتكاثف رصيد الأفراد من الخبرات الإيمانية والحدسية هذه الخبرة الإيمانية يتم تمثل الدين وتفهمه ليس على أساس كونه علمًا صوريًا نسعى للبرهنة على صحته بل يضحى شأنًا من شؤون القلب وحياة يحياها الفرد بالكلية، وبذات الوعي الإيماني تغدو الأخلاق في جوهرها الإرادة الطيبة وأداء الإنسان واجباته وانحيازه للمظلومين والضعفاء مثلما هو محور قصة موسى والعبد الصالح.

(1) سيد قطب: في ظلال القرآن، بيروت، دار الشروق، الطبعة الثانية عشرة 1986م، 4 / 2249 ( بتصرف ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت