هنا يذكر كانط أننا نملك خبرات أخرى، خبرات الضمير والجمال والتجربة الدينية، وهي خبرات رغم أنها ليست قط خبرات علمية وعقلية بالمعني الصحيح ؛ ورغم استحالة إدخالها ضمن إطار الفيزياء الميكانيكية، لكنها خبرات قوية وهامة إلى حدٍ لا يمكن معه إهمالها واعتبارها مجرد تصورات وهمية، كما أنها تظل مستعصية على الفهم إلى أن نفترض بأن العالَم في الحقيقة هو شيء مختلف عما يستطيع العلم البرهنة على وجوده.
إن تلك الرؤية الكانطية تمثل توجه فكري لا يحمل سمة الجدة إذا ما تم مقايستها بالإرث الإسلامي، ذلك أن ما ذهب إليه كانط لا يحمل في ثناياه مضمونًا جديدًا على مستوى الرؤية القرآنية؛ إذ نلاحظ هنا أن تلك القضايا وأشباهها هي بالتحديد تمثل القضايا التي نهى القرآن الكريم المسلمين عن الخوض فيها؛ ومن هنا فهم المسلمون مجيء الإجابة عن ماهية الروح في الآية الكريمة؛ قال الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] .
ومن ثم فإن التصور القرآني لم يذهب مذهب المغالاة في قيمة العقل ولم يثبت له القدرة على إدراك كل شيءٍ، فليس ثمة مغالاة في قيمة العقل، ولا مجال لإقحامه فيما لا تصل طاقته إليه وبالتالي فإن الثقة فيه ليست مطلقة بل هي ثقة بقدر محدودية طاقته وإمكاناته، فالخطاب القرآني كما لم يفرط في حق العقل ولم يبخسه حقه، لكنه ومن الجانب الآخر لم يغالِ أو يجاوز به حده.
لقد حرص القرآن الكريم على ألا يبدد الإنسان طاقته العقلية فيما لا ينتج ولا يثمر، ويمكن اعتبار ذلك بمثابة أول شكل من أشكال رفض الخوض في القضايا الماورائية أو ما يطلق عليه حاليًا اسم ( الميتافيزيقا ) ، فليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل، ولكن فيه توجيهًا لهذا العقل أن يعمل في حدوده وفي مجاله الذي يدركه .
(1) سورة الإسراء: الآية 85