الصفحة 18 من 36

بيد أنه مثلما كان الحس قاصرًا ثماره في تزويد الإنسان بالخبرة بالظواهر الكونية المحسة فحسب، فإن الانكفاء على منطق العقل المحض لا يؤدي إلا إلي نتائج وأحكام نسبية لا يمكن الحديث بإطلاقها، وكثير ما تفضي بالناس إلي الجدل غير المحمود والصارف عن الحقيقة ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? [1] ?

هنا نستحضر ما ذهب إليه كانط [ 1724م - 1804م ] في أطروحته حول ما أطلق عليه إشكاليات العقل في مؤلفه ( نقد العقل الخالص ) محاولًا تحليل طبيعة المعرفة وقدرة العقل البشري؛ التدليل على أن المعرفة العقلية تظل صالحة لوصف العالَم الذي يقدر الإنسان أن يحصل منه على أية خبرة عقلية، فالعلم وصفًا كثيرًا ما يكون صادقًا بالنسبة للحوادث الظاهرة Phenomena أي للأشياء بالشكل الذي يسمح لنا فيه تركيب عقولنا وأسلوب عملها أن نختبرها، لكن ليس في وسعه أن يبرر لنا إثبات أو إنكار أي شيء عن العالَم الحقيقي Noumenal أي العالم كما هو في ذاته، كما يبدو لعقل كامل منزهٍ عن كافة النقائص البشرية، هذا يؤدي بنا إلى الاستنتاج بأننا لا نستطيع قط أن نتعالى عن حدود الاختبار الممكن، وأننا لذلك لن ندرك الماورائيات فنحن لا نستطيع أن نعرف العالَم كما هو في الحقيقة.

وهذا يعنى بداهة القول بأن علومنا لا تشمل ولا تستطيع أن تشمل كل شيء ضمن أفقها، ولكن ما الذي دفع كانط إلى القول بأن العالَم في الحقيقة مختلف عن العالَم الذي تستطيع أن تصفه لنا طرق العلم وبأنه أكثر اتساعًا من ذلك ؟ إن موقف كانط يمكن توضيحه بإجمال في إنه لا ينكر إمكانية إدراك الأشياء كما هي في ذاتها؛ كل ما يقوله هو أن إدراك الأشياء كما هي في ذاتها لهو أمر مختلف؛ فهو لا يحدث بواسطة الفهم العادي، بل بقوة متميزة أخرى.

(1) سورة الكهف: الآية 54 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت