إن كلًا من العقل والحس والحدس تعد مصادر معتمدة للمعرفة وكل واحد منها يملك القدرة على تقديم مساهمة ذات قيمة وثبات ودوام بحيث لا يمكن التقليل من أيٍ منها فضلًا عن تجاهلها بالكلية، كما أن أيًا من هذه المصادر الثلاثة هو الأوفق والأكثر ملائمة في مجال معين بعينه؛ بحيث يعول عليه تقديمًا واعتمادًا في هذا المجال على ما عداه، فالحس الأقدر والأكثر فاعلية في مجال دراسة الظواهر، والعقل يعطى بفاعلية في حيز كل ما هو لامادي، والحدس ينطوي على قدرات هائلة يمكن أن تبلغ بالإنسان نحو مراقي سامية من المعرفة التي تتجاوز مسألة الوعي بالشيء إلي الاندماج فيه حيث أن للقلب طرائقه التي لا يقف عندها ظاهر الحس أو منطق العقل.
هذه الرؤية التكاملية بين مصادر المعرفة الإنسانية وطرائقها ظاهرة في السياق الإسلامي، حيث يدرك المتأمل في النص القرآني أن القرآن الكريم يشير في أكثر من موضع في ثناياه أهمية الحواس كأداة معرفة للإنسان لا غني عنها في حياته، وذلك من خلال إشارته لآيات الله المبثوثة في الآفاق والأنفس، فمنطوق تلك الآيات يشير إلى أن الحواس تشكل مصدرًا مهمًا من مصادر المعرفة الإنسانية، لذا كانت الدعوة القرآنية إلي ضرورة إعمالها والإفادة منها.