الصفحة 15 من 36

على صعيد المقابلة بين الوحي الإلهي من جهة ومصادر المعرفة الإنسانية من الجهة الأخرى؛ فإن الوحي الإلهي يجيء معبرًا عن الحقيقة بإطلاقها، فهو بذلك يقوم مقام المهيمن تصديقًا والضابط تحكيمًا لما عداه من مصادرٍ للمعرفة، فالعلم البشري مهما بلغ في استمداد معارفه بشتى طرائقه؛ فإنه مقيد بأدواته ومحدود في نهاياته بالقياس إلى العلم الإلهي المطلق الذي يتسامي عن كل حد ويتعالى عن كل قيد، ويقرب النص القراءني في خواتيم سورة الكهف هذا المعني إلى تصور البشر القاصر بمثال محسوس على طريقة القرآن الكريم في التمثيل والتصوير: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] .

وعلى المستوى الثاني فإن مصادر الحس والعقل والحدس تقوم فيما بينها علاقة تكامل وتداعم، فينظر إلي طرائق المعرفة الإنسانية في سياق تكاملي بحيث تكمل إحداهما الأخرى دون أفضلية مطلقة لهذا أو ذاك، وإنما كل واحدٍ من هذه الطرائق في مجال بعينه هو الأكثر كفاءة وفاعلية، وهو في ذات الوقت محتاج غير مستغنى عن بقية الوسائل والمصادر المعرفية المباينة، ليكون منتوج هذه العلاقة التكاملية وجماعها ماثل في مفهوم البصيرة القرآني أو نور القلب الذي يعني جماع الكفايات والإدراكات الحسية والعقلية والحدسية على السواء.

لقد أتي البحث فيما سبق على عرض الأطروحات الرئيسة حول المعرفة الإنسانية؛ وإزاء ما وجدناه من تباينٍ في تقرير مصدر المعرفة بين الفلاسفة العقليين والحسيين والحدسيين فإن الأوفق وفق الرؤية القراءنية النظر إلى تلك الطرائق على أنها متكاملة فيما بينها تهدف ثلاثتها الوصول إلى معرفة الحقيقة .

(1) سورة الكهف: الآية 109

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت