الصفحة 12 من 36

الحدس مصدرًا للمعرفة:

يورد البعض مسلكًا ثالثًا للمعرفة يتقدم العقل والحس ويفضلهما، يتمثل ذلك في أطروحة الكثيرين حول الحدس Intuition، والقول بالتجربة الحدسية كمصدر للمعرفة الإنسانية. نستطيع أن نقول أنه لم يخل عصر من عصور الفلسفة المتعاقبة من اتجاه فلسفي لم يعمد إلي جعل الحدس عماد تصوره الفلسفي، لذا ينظر إلي الحدس باعتباره من أقدم منابع المعرفة الإنسانية إن لم يكن أقدمها على الإطلاق.

لعل أقدم نموذج يجيء ذكره هنا لفلسفة يحتل الحدس فيها موقعًا صميميًا هو فلسفة أفلاطون والأفلاطونية المحدثة؛ ومما هو بين وجلي أن كل الاتجاهات الصوفية المنبثقة من مختلف الأديان والمشارب قد أولت الحدس أهميةً فائقة وأعطته قيمة معرفية تفوق كل ما يمكن التوصل إليه عبر شتى الوسائل الأخرى.

خير معبر عن ذلك الاتجاه الحدسي ما نجده عند الإمام أبي حامد الغزالي [ 1048م ـ 1111م ] الذي جعل من المعرفة اليقينية ضربًا من النور الإلهي الذي يُقذف في قلب العبد قذفًا، من هنا فلا غرابة حينما نجد الغزالي ينتظم ضمن سلسلة ممتدة من المفكرين الإسلاميين الذين يضفون بعدًا صوفيًا على المعرفة الحدسية حينما يجعلون تلك المعرفة ضربًا من الإلهام والعلم اللدني الذي يمن به الله تعالى على الإنسان بعد ترقيه في معارج التصوف ? ? ژ ? [1] ، فالمعرفة الأتم كما يراها الغزالي هي المتحصلة عن طريق القلب وسبيل الهداية الإلهية، لأن للبصيرة القلبية اتصالًا مباشرة بالحقائق الإلهية الخالدة، وهو ما يجعل لتلك الصلة حسب الرؤية الحدسية صفة الديمومة بين الخالق والمخلوق.

(1) سورة الكهف: الآية 65 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت