ينطلق العقلانيين في تصورهم المعرفي من الإشارة إلي أننا لا نعرف إلا تلك الأشياء التي نفكر فيها، وأن العقل يملك القدرة على اكتشاف الحقيقة بنفسه كما يمكن إدراكها بمقارنة أفكاره بأفكار أخرى، ويرون الحواس رغم أهميتها تبدو أعجز من أن تعطينا أحكامًا صحيحة وثابتة كونيًا، لذا فقد ذهبوا إلي أن أعلى صور المعرفة هي تلك الأحكام الصائبة بصورة مطلقة كحقائق المنطق والرياضيات، قائلين بأن ما تضعه الحواس بين أيدينا من التجارب والأحاسيس ما هو إلا مادة المعرفة فقط وهذه المادة يجب أن تنظم من قبل العقل في نظام ذي معنى قبل أن تصبح معرفة .
التيار التجريبي... الحس مصدرًا للمعرفة:
يرى الفلاسفة التجريبيون Empiricists أن جميع أنواع المعارف التي لدينا مستقاة من الحس والتجربة، وأنه ليس ثمة في العقل إلا ما تمده به المعطيات الحسية، ومن ثم فإن تجربتنا الحسية المؤكدة تمثل المصدر الوحيد للمعرفة، من سمي مذهبهم في المعرفة بالحسية أو التجريبية Empiricism.
فالحسيون نقيض العقلانيين يضعون تأكيدهم على قوة الحواس وقوة ملاحظة الإنسان؛ فجميع ما يتسلمه العقل من بيئته من خلال الحواس يغدو السبيل المضمون إلى المعرفة، ويرون أن المعرفة تتكون بتكون الأفكار وفقًا للحقائق المشهودة؛ أو بعبارة أخرى: إننا نعرف تلك الأشياء التي نتوصل إليها من خلال حواسنا ليس إلا.
نشير هنا إلى أن الفلاسفة الحسيين يقرون بالمعرفة العقلية، إذ لا يتصور وجود اتجاه فلسفي ينكر تلك المعرفة لأن الفلسفة برمتها إنما تقوم على التأمل العقلي؛ بيد أنهم على الرغم من إقرارهم بوجود المعرفة العقلية؛ لكنهم يؤولونها باعتبارها مدركات بسيطة مستمدة من التجربة وصدى لتعميمات تجريبية، وهذا هو عين الموقف الذي يقفه على الطرف المقابل الفلاسفة العقلييون عندما يقرون بالمعرفة الحسية مع تأويلها تأويلًا خاصًا باعتبارها معارف جزئية غير يقينية تظل خاضعة للعقل وفي حاجة إليه.