أما الالتفات إلى المقاصد في عصر الصحابة، فقد لوحظ بصورة أوضح مما كان عليه الأمر في العصر النبوي، وذلك لطبيعة عصرهم وظروفهم، وبسبب طروء الكثير من النوازل نتيجة لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، وتفرّق العلماء، وكذلك بسبب سنة التطور التي تفرضها طبيعة الحياة، فعصر الصحابة غير عصر النبوة، لذلك اجتهد الصحابة في تلك الوقائع وكان اجتهادهم يقوم على أسس متنوعة تجمع بين العقل والنقل، بين دلالة النص الظاهرية واللغوية ومقصده وحكمته. [1]
وإذا نظرنا في أفعال الصحابة وأقوالهم، وجدنا أن العمل بالمقاصد يتجلَّى في كثير منها، ووجدنا أن الفكر المقصدي أصْلٌ لديهم، فكثيرًا ما كانوا يتجاوزون حرفية النص ليقفون على مقصده والغاية منه.
ويظهر ذلك بشكل بارز عند الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه صاحب النظرة الفقهية المقصدية، التي جعلته يقفز على حرفية النص، لأنه كان يعتقد أن هذا النص"كان معللًا بعلة أو مرتبطًا بنوع من أنواع المصلحة أو النظر الخاص، وأن ما لديه من الحال الواقعة ليس على نفس الصفة ولا مرتبطًا بتلك المصلحة". [2]
والأمثلة على القضايا التي ظهر فيها الفكر المقصدي عند عمر بن الخطاب كثيرة، نورد فيما يلي بعضًا منها:
1.عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم سهمهم من الزكاة
(1) انظر: الخادمي، نور الدين: الاجتهاد المقصدي، ص91.
(2) المدني، محمد محمد: نظرات في اجتهادات الفاروق عمر بن الخطاب، (بيروت: دار النفائس ودار الفتح، ط1، 1410هـ/1990) ، ص26.