فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 32

يُلحظ أنَّ ابن عاشور وسَّع دائرة البحث في المقاصد، وأعطاه وجهة جديدة تتجاوز حدود السعي لتأسيس مجرد أصول تشريعية عقلية كلية قطعية، حيث فتح أفقًا أرحب للتنظير الاجتماعي بمعناه الواسع، من حيث هو سعي للتشريع والتخطيط للمستقبل، انطلاقًا من استيعاب معطيات الحاضر وتحليلها وتمحيص عناصرها وفق بصائر الوحي، وتوجيهها طبقًا لقيمه وأحكامه، توخيًا لتحقيق مقاصده، وفق أولويات متراتبة متكاملة. [1]

وقد يكون من أهم ما امتاز به جهد ابن عاشور ـ كما يقول طه جابر العلواني ـ:"هو العمل على تقديم منهج للكشف عن المقاصد، جعله يضيف مقصدين هامين جدًا، وهما: مقصد المساواة، ومقصد الحرية، وتلك خطوة اجتهادية هامة لابدّ من متابعتها والبناء عليها". [2]

كما أنه حاول القيام بتطبيقات ناجحة موفقة للمقاصد في دوائر المعاملات والسلوكيات، ومهَّد بذلك كله لجعل المقاصد علمًا قائمًا بذاته، يمكّن المشتغلين بالعلوم النقلية من اقتحام العقبة التي لا تزال تحول بينهم وبين التجديد والاجتهاد وبلورة وتيسير فقه التديُّن. فقال رحمه الله:

"إذا أردنا أنْ ندوّن أصولًا قطعية للتفقه في الدين حق علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارضة، وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين، ونعيرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي عاشت بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة، ونترك علم أصول الفقه على حالة تستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية". [3]

(1) المرجع السابق، نفس الصفحة.

(2) العلواني، طه جابر: مقدمة نظرية المقاصد عند الإمام محمد بن عاشور للحسني، ص19.

(3) المرجع السابق، نفس الصفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت