وإذا ما انتقلنا إلى عهد التابعين وجدنا أنه امتداد لعصر الصحابة وتواصل له، من حيث العمل بالمقاصد الشرعية الأصيلة والاعتداد بها، ولا غرابة في ذلك لأنهم استلهموا الهدي النبوي الذي تناقلوه بواسطة الصحابة وعقلوا ما فيه من جوانب مقصدية ومصلحية معتبرة. غير أنِّ الحياة تطوَّرت أكثر، حيث اتَّسعت الحضارة الإسلامية واختلطت مع الحضارات الأخرى، وطرأت أمور لم تعد ظواهر النصوص قادرة على معالجتها، مما حتَّم عليهم العمل بالرأي، والالتفات إلى المقاصد العامة للشريعة. لأنهم عرفوا أنَّ الأحكام لم تشرع عبثًا وأنها إنما شُرعت لعلل ومقاصد يطلب تحقيقها.
فكلا من مدرستي العراق والحجاز، وغيرهما من المدارس التشريعية التي عرفها التابعون استندت في عملية الاستنباط إلى عدّة أمور، منها العمل بالمقاصد، واعتبار المصالح، ونفي المفاسد. وكلا منهما اعتمدت من حيث المبدأ والعمل على الرأي، وإن اختلفتا في المقدار والكَمّ. والعمل بالرأي لدى المدرستين معناه كما يقول الدكتور نور الدين الخادمي:"العمل بضروبه ومجالاته، والتي منها الأخذ بالمقصد والتعويل عليه". [1]
ومما هو معلوم أن مدرسة العراق أو مدرسة الرأي، قد انبنت على الرأي بصورة أكبر مما كان عليه الوضع في المدينة لعدة أسباب، منها: كونُ المدينة مهبط الوحي، ومقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ومستقرّ أغلب الصحابة، وبساطة العيش، وسلامة اللسان العربي، بخلاف العراق التي شهدت ظهور الفرق، وحدوث الفتنة، وشدة الاحتياط في رواية الحديث، واختلاط اللسان العربي، وطروء المشكلات والحوادث المستجدة، التي تُحتِّم إعمال الرأي واعتبار روح الشرع ومقاصده المعتبرة.
(1) الخادمي، نور الدين: الاجتهاد المقصدي، ص103.