فمن المقطع الأول و الشاعر يبعث فينا رمز ( العصفور ) و ( الريش ) .. و يسير بنا إلى عالم العصفور الذي سيجلب له ما يدعمه من عوالم أخرى تهمه في إيصال المعنى إلينا.
و من معاني الرمز الأخرى - التي وردت في المقدمة -"الصلة بين الذات ( الشاعرة المبدعة ) والأشياء ( التي يعرفها الناس ) ".. وقد يستفيد الشاعر في لغة الرمز من مهارة ( تراسل الحواس ) ، فيعطي المسموعات ألوانًا، و يُصَيّرُ المشمومات أنغامًا. وتصبح المرئيات عاطرة... و من ذاك في القصيدة:
فيروز وهي:
تغسل عبء الأمس وابنتها ( انظر للفعل )
تمرر نصف أصابعها عبر سياج الحنكة كي ( انظر للفعل )
تحتال عليك ( ثم انظر للفعل - إنه فعل متسلسل )
وتبكي.
فيلجأ الشاعر إلى نقل صور العالم الخارجي من مواطنها المعهودة، في شبه تهويش فكري، ليوحي بمشاعر غريبة لا تبين عنها دلالات اللغة وضعًا؛ يقول:
كان شبيهي في الحارة أعمى،
لا يعرف باب الحاكورة
شب شبيهي الأعمى
صار مديرًا;
قلت أغازله
وأصير دليل يده;
جئت إليه أستنسخ ما مر من الماضي
فبكى
بعد غرابين من المعنى
كنت أجيرًا في بيت الأعمى.
وهكذا ولع الشاعر في تقريب الصفات المتباعدة، وساير الموسيقا في دفعات شعوره، وتَلَعَّبَ بعالم الخيال ليقدم صورة رمزية، اختلط فيها الشعور بغير الشعور؛ وهو:
يداري نصف ستائره من قصب; جاء به من حقل أبيه وغاص في ما وراء الحس من المحسوس، بقوله:
صرة أحلام لأبي،
و أن يكثر في البيت مناخ الحب،
وأن يزرع عمي حقل ورود في البيت
وأن أصبح شاعر..
لقد جهد الشاعر نفسه حتى صار شاعرًا.. له مذاقه الخاص، و عالمه الخاص، ثم إنه ينبغي الكشف عن هذا العالم فلا يحفل بالمنطق، لأن المنطق آلة العقل، والعقل يجرد الأشياء من مضامينها ويجهل بعضها ـ وإن كان في النهاية يجمعها ـ فالعصفور في القفص ولكن هنا قفص وهناك قفص، والقفص يتعدد - عند الشاعر - فهو:
قفص لمساء أخضر
قفص لمدينة مرمر
قفص للطفلة ريما