واشهر ما يحتج به القائلون بالنيابة قوله تعالى (( ولأصلبنّكم في جذوع النخل ) ) (28) . وحرف الجر فيه للظرفية الخالصة واستعماله (في) بدلًا من (علي) منظور فيه إلى أن الصلب في ذلك العصر هو سمو اليدين والرجلين على الخشب لا تعليق الجسد (29) . إن أحرف الجر لا ينوب بعضها عن بعض بقياس عند البصريين وخلاف ذلك عند الكوفيين وبعض المتأخرين ولا يجعلون ذلك شاذًا ، ولكن الدكتور مصطفى جواد لا يأخذ برأي أي من الفريقين لأن النيابة لا تصح عنده في مثل هذا التضمين لأنه مخالف للفصاحة في مثل هذا الموضع ، وهذا ما لانجد له مبررًا خاصة وإن الدكتور مصطفى جواد قد طالب باعتماد مذهب الكوفيين لتيسير النحو (30) إن مسألة نيابة حروف الجر واردة في كلام العرب وليست فيها مخالفة للفصاحة . وقد جاء في القرآن الكريم (( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ) ) (31) أي من عباده ويقال (رضيت عليك) بمعنى عنك ، فنيابة الحروف واردة في كلام العرب (32) . إن الدكتور مصطفى جواد على الرغم من إنه لم يؤلف كتابًا مستقلًا في النحو ، لكنه تبين من خلال المسائل والمباحث النحوية التي عالجها ، يفضل آراء الكوفيين على البصريين وعلى الرغم من ذلك فقد كان له رأي اجتهادي فما وافق رأيه أو قرب منه فهو مطمئن له وما عداه فهو ليس ملزمًا باتباعه حتى وإن كان لمن عدّ حجة كسيبويه ، فهو لم يلزم نفسه برأي مذهب معين بل اعتمد على قدرته في استنباط الأحكام والاجتهاد فيها وخاصة في المسائل النحوية التي درسها . إذ أخذ من نحو الكوفيين كما أخذ من نحو البصريين ، وقد عاب على البصريين تشددهم وميلهم إلى التأويل والتعليل ولم يسلم هو من هذا العيب وخاصة في مبحث (حروف الجر) ونيابة بعضها عن بعض (33) .