فعجز البيت الأول (وبغداد فيها للمشاة دروب) جاء من السهولة الفاضحة التي لا تبعد عن العامية الدارجة ولا تبعد عن حديث الناس اليومي ، وما أظن أن صدر البيت الأول مفتقر إلى هذه التكملة المخلة ولكن تلك طريقة الزهاوي ومنهجه في النظم فقد أراد أن يحكي شيئًا ، وليس أنسب للحكاية على طريقة سواء العامة من التزام هذه الكيفية (52) .
إن الدكتور إبراهيم السامرائي لم ينظر إلى ألفاظ الزهاوي بمقياس الخطأ والصواب وإنما وصف هذه الألفاظ بأنها عامية دارجة ولكنّ الزهاوي كان له غرض من خلال هذا الاستعمال ، فمن خلال هذا الانحراف أراد الزهاوي أن يحكي شيئًا ولكي يكون هذا الشيء شائعًا استخدم هذا التعبير الدارج .
ويستمر الدكتور إبراهيم السامرائي بتحليله اللغوي لشعر الزهاوي فيقول:
ويعطي الزهاوي للفيلسوف تعريفًا فيقول (53) :
الفيلسوف الفيلسوف هو من تربته الصروف
أما الحياة فلا يكاد يـفوته منها الطفيف
يمشي وحيدًا لا يـرافقه عشير أو أليف
يطأ الرصيف بخفّّه فيكاد يخفيه الرصيف
وهذا التعريف لم يوضح شيئًا كثيرًا من حقيقة الفيلسوف وربما وضحّ شيئاَ من صفات قائله . فلا أدري لٍِمً يمشي وحيدا لا يرافقه العشير ، ولعن الله شيطان القافية الذي حبّب إليه (الرصيف) فاقتنصه وصنع له معنى لا حاجة به ، وإن (الأليف) في بيته الثالث زيادة أريد بها الحفاظ على الوزن والقافية ، وهذه هي السهولة المخلة الفاجعة (54) ، ثم يترك الشاعر فيلسوفه هذا ويضرب في موضوعات شتى كأن يتحدث عن المرأة فيقول (55) :
ما أتعس الحسناء يمـلك أمرها الزوج الضعيف
فهناك جرح مهلك إلاّ إذا انقطع النزيف
وقد حكمت عليه القافية أن يستعمل النزيف ليسلم البناء عادلًا عن النزف الذي يقتضيه المقام ، وقد سميت عدم العناية بالبناء والتركيب بأحكام المادة وإجادتها (سهولة) (56) .