إن نقد الدكتور السامرائي للشعراء في الكتاب المذكور آنفًا يمثل تحليلًا لغويًا لأنه نقد الكلمات التي استعملها الشعراء في قصائدهم مراعياًَ السياق الذي وردت فيه هذه الكلمات . فنقده لم يكن نقدًا للمفردة وإنما نظر إليها من خلال النصوص الشعرية آخذًا بنظر الاعتبار المؤثرات الخارجية التي دعت إلى استخدام هذه الكلمة دون غيرها كالبيئة التي يعيش فيها الشاعر مثلًا .
ففي حديثه عن لغة الزهاوي يقول:
لقد خفي على كثير من النقاد حقيقة اللغة وعلاقتها بالأسلوب وأن النقد الداخلي لابد أن يعرض لهذه الناحية ليتم للنقد الشمول والعموم (49) . فهو يذكر أنه قرأ شعر الزهاوي في دواوينه كلها ووقف على ما أراد أن يقف عليه من خصائص لغته ومصادرها .
ويقول: لابد أن أعود للزهاوي فلأقول: ماهداني إليه إلاّ البحث في لغته فالزهاوي كما هو شائع ومعروف شاعر الفكرة يتوجه للمعنى فلا يكترث باللفظ أن يكون مصيبًا في الإنابة عن الفكرة وقد عرف بالتحرر والتجديد ، يعتمد في ثقافته على ما تثقف من الثقافة الشرقية والعربية الإسلامية وعلى ماجدّ من أفكار ونظريات في العلم الحديث المنقول إلى العربية ومن هذا المزيج الثقافي تكوّن فكر الزهاوي (50) .
إن اهتمام الزهاوي بالفكرة الجديدة صرفه عن الاهتمام بالمفردة وأحكام وضعها في موضعها ولذا قلّ اهتمامه باللغة وتطلب منها أن تكون سهلة يقتضيها كيف عرضت له ، ولن يقعد منها قعدة المتربص فيستميلها إليه متأتية طيعة مطمئنة . ومن هنا فالسهولة صفة واضحة في لغته ، وربما بقت هذه السهولة إلى المستوى الذي لا يبعدها عن حديث الناس في تخاطبهم وليس أدل على ذلك من قوله (51) :
لقد كنت في درب ببغداد ماشيًا وبغداد فيها للمشاة دروبُ
فصادفت شيخاَ قد حنى الدهر ظهره له فوق مستن الطريق دبيبُ
عليه ثياب رثة غير أنها نظاف فلم تدنس لهن جيوبُ
تدل غضون في وسيع جبينه على أنه بين الشيوخ كئيبُ