الصفحة 22 من 29

ينبغي إذن أن نفرق جيدا بين الأخذ مشافهة عن فصحاء العرب زمن التحريات الميدانية ، وبين رواية النصوص الشعرية والنثرية المأثورة ابتداء من العصر الجاهلي وحتى زمن التحريات . فإذا فهمنا هذا الفرق اتضح لنا أن اللغويين كانوا على صواب في تحديدهم لرقعة الفصاحة زمانا ومكانا ، لأنه كل ما مر وقت كانت الرقعة تضيق معه .

كما أن هذا الوهم نفسه أوقع علم الدين في تناقض بين حيث قال في كتابه اللهجات العربية في التراث ما نصه:"وبهذا يكون علماء العربية قد ضيقوا المنافذ حين حصروا أخذ اللغة عن قيس وتميم وأسد" [52] ، ثم يكمل نص الفارابي ، ويقول في موضع آخر من نفس الكتاب:"فلأنهم كانوا يحترمون لغة قريش لمكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها جمعوا لهجتها وتركوا ما سواها" [53] فقولهم بأن قريشا أفصح القبائل جعله يعتقد أنهم جمعوا لغتها ، في حين ذكر كلام الفارابي الذي لم يذكر فيه قريشا ضمن القبائل التي أخذوا منها اللغة، بل ذكر أنهم لم يأخذوا من حاضرة الحجاز .

كما لحى الكثير من الدارسين المحدثين [54] على القدماء تحديدهم لرقعة الفصاحة واعتبروا عملهم هذا غير علمي ، لأنه ليس من مهام العالم أن يقف في وجه تطور اللغة، بل هذه مهمة المربين الذين يهتمون بالمحافظة على اللغة . كما ذهب بعضهم إلى اعتبار اللحن ظاهرة تطورية طبيعية للغة العربية كان الأجدر بالنحاة القدماء تسجيلها ودراستها، وليس الوقوف في وجهها [55] . ويمكن الإجابة عن هذا الإشكال بالقول بأن النحاة العرب القدماء حين رقعة الفصاحة زمانا كانزا يهدفون إلى شيئين اثنين:

الأول: وضع قواعد تعرف بها اللغة العربية الأصيلة التي لم تتأثر بغيرها من اللغات، ولهذا تحرجوا كل التحرج من الاختلاط .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت