الصفحة 21 من 29

فمن خلال هذه الآراء نلاحظ أن هؤلاء الدارسين لم يدركوا جيدا معنى التحديد الزماني والمكاني لرقعة الفصاحة . فالإبعاد الذي أحدثه اللغويون العرب لبعض قبائل العرب من رقعة الفصاحة يبدأ من زمن بدء التحريات الميدانية ، أي الزمن الذي بدأ فيه اللغويون يخرجون إلى البادية ويشافهون فصحاء الأعراب ويأخذون عنهم اللغة مباشرة ، وهذا الزمن يبدأ من سنة 90 للهجرة ، وكان ذلك على يد أبي اللغويين العرب أبي عمرو بن العلاء البصري اللغوي النحوي القارئ أحد القراء السبعة المشهورين في الأمصار . أما النصوص المأثورة قبل ذلك ، فكلها كانت فصيحة ، وإذن فاللغات الموجودة في القرآن الكريم والشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام كلها فصيحة ، لأن القرآن أنزل في زمن كانت فيه هذه القبائل فصيحة ، بل اللحن نفسه لم يشع إلا بعد ظهور الإسلام واختلاط العرب الفصحاء بغيرهم من الأمم التي كانت تتكلم لغات أخرى .

أما ما رآه بعضهم [49] من التناقض في كون لغة قريش أفصح اللغات ثم إبعادها من رقعة الفصاحة ، فهو راجع إلى السبب نفسه ، فلغة قريش كانت أفصح اللغات في الجاهلية وزمن نزول القرآن أما في زمن التحريات الميدانية فقد دخلها اللحن وفسدت ، فلم تبق فصيحة فضلا عن كونها أفصح اللغات ، وبالتالي فلا تناقض في الحكمين .

وقد أدى هذا الوهم ببعض الدارسين إلى القول بأن الرواة آثروا"الأخذ عن قريش وقيس وتميم وهذيل وغيرهم ممن منازلهم في وسط الجزيرة" [50] . فتوهم إبراهيم أنيس أن الرواة أخذوا عن قريش لما سمعهم يقولون بأن قريشا أفصح القبائل ، وقد رأينا أن الفارابي نص على عدم الأخذ من حاضرة الحجاز [51] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت