أما من الناحية الزمانية فإن رقعة الفصاحة بدأت تضيق شيئا فشيئا ، وهجم اللحن تدريجيا على ألسنة سكان البادية ، ففي حين كانت الفصاحة شاملة لكل بلاد العرب حضرها وبدوها في الجاهلية وصدر الإسلام ، وجدنا هذه الرقعة تضيق في بداية التحريات الميدانية، فتبعد كل قبائل الحضر ، وكذا القبائل المتاخمة للأعاجم ، ولم تبق إلا مناطق نائية في بوادي نجد والحجاز وشمال اليمن . واستمرت تضيق حتى انقرضت الفصاحة العربية نهائيا في أواخر القرن الرابع للهجرة [46] . وأصبحت العربية الفصيحة لغة الكتابة والثقافة فقط، وحل محلها في التخاطب اليومي ما اصطلح عليه بالعاميات .
وقد قامت انتقادات كثيرة من طرف الدارسين العرب المحدثين لهذا التحديد الزماني والمكاني ، لم تكن في معظمها موفقة .
هناك من هؤلاء الدارسين من لم يدرك معنى التحديد الزماني للفصاحة ، حيث اعتقد أن هذا التحديد كان ابتداء من العصر الجاهلي وصدر الإسلام ، يظهر هذا من خلال ما ذكره محمد حسين آل ياسين من أن تحديد الفارابي للقبائل التي أخذت منها اللغة الفصيحة غير صحيح ، بدليل وجود لغات كثيرة كلغة الأزد والأوس والخزرج وجرهم في القرآن الكريم [47] .
كما ذكر في موضع آخر أن اللغويين كانوا متناقضين حين عدوا لغة قريش أفصح اللغات حينا ، ورفضهم الأخذ عنها لأنها من حاضرة الحجاز ، حينا آخر [48] .