الصفحة 19 من 29

كما أن من شروط الفصاحة البيانية كعدم تنافر الحروف وعدم الغرابة وعدم مخالفة القياس، [40] كلها ليست من شروط الفصاحة اللغوية ، فيقبل فيها ما تنافرت حرفه ، وما كان غريبا ، ولو جاء به شخص واحد ، كالألفاظ التي جاءت عن ابن أحمر ولم ترد عن غيره [41] ، وكذلك ما خالف القياس وشاع في الاستعمال لأن السماع يبطل القياس عندهم [42] ، فالحمل على التوهم عندهم جائز رغم مخالفته للقياس ، لأنه كثر استعماله على ألسنة العرب الفصحاء، كجمعهم مصيبة على مصائب ، تشبيها لها ـ خطأ ـ بسفينة وسفائن والقياس يوجب مصاوب.

على أن هناك صلة بين المعنيين تستمد من المعنى اللغوي لهذا المصطلح . رأينا أن المعنى اللغوي للفصاحة هو البيان والوضوح ، والفصاحة البيانية تعني إجادة فن القول، وتزيينه للسامع حتى يقع من نفسه موقعا حسنا ، والإنسان لا يتأثر بالكلام إلا إذا فهم معناه، ففيها معنى الوضوح ، وكذلك الفصاحة اللغوية ، فإذا خرج المتكلم عن أوضاع العرب في مخاطباتهم فإنه لا يفهم كلامه ، ولهذا قالوا: فصح الأعجمي ، أي تكلم بالعربية وفهم عنه، ولهذا وجدناهم يفاضلون بين القبائل الفصيحة ، ويذكرون أن قريشا هي أفصح القبائل .

تحديد رقعة الفصاحة زمانا ومكانا [43] :

من أشهر ما اشتهرت به الدراسات اللغوية العربية هو تحديدهم لرقعة الفصاحة زمانا ومكانا . فمن الناحية المكانية اعتمد اللغويون على القبائل البدوية ، وخاصة قبائل قيس وتميم وأسد وطيء وهذيل [44] ، وأبعدوا ما سواها من القبائل المتاخمة للأعاجم ، أو القبائل الحضرية. فإنهم لم يأخذوا من حاضرة الحجاز"لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم" [45] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت