الصفحة 18 من 29

الوجه الأول: ذكر أن بعض الرواة فقط نسب الفصاحة إلى كل العرب دون تمييز ، وهذا غير صحيح ، فكل الرواة والنحاة كانوا ينسبون الفصاحة إلى من تتوفر فيهم الشروط التي حددوها لذلك دون تمييز بين الطبقات الاجتماعية والثقافية ، بل فضلوا الطبقات الدنيا على الطبقات الراقية (المثقفة) طبقة الحضر ، إذ الرقي والثقافة موطنهما الحضر لا البادية، والرواة قصروا الفصاحة في زمن التحريات على الأعراب لأسباب علمية قرروها .

الوجه الثاني: من خلال كلامه نفهم أنه يقصد الفصاحة بمعناه البياني ، يظهر ذلك من قوله:"والإجادة في صناعة الكلام". أما ما كان يقصده أولئك الرواة من الفصاحة فهو ما سماه جواد علي بالسلامة اللغوية ، بدليل تركيزهم على الأعراب الذين:"تمكنت عادتهم لهم على طول الزمان في ألسنتهم وأنفسهم تمكنا يحصنون به عن تخيل حروف سوى حروفهم والنطق بها" [38] . فالشرط هو عدم الاختلاط ، وعدم التأثر بالأمم الأخرى ، وليس هو الثقافة والبيان وإجادة فين القول ، ولهذا أخذوا من الأمَة الوكعاء ومن الصبيان ، ولم يستشهدوا بشعر بشار بن برد والبحتري وأبي تمام والمتنبي ، وهم من هم في الفصاحة والبيان والثقافة العالية.

وإذا تتبعنا شروط الفصاحة اللغوية فإننا نجدها متعارضة في بعضها مع شروط الفصاحة البيانية . ففي الفصاحة اللغوية ، كلما شاعت الكلمة على ألسنة العامة كانت أفصح، يقول السيوطي في المزهر:"فالمراد بالفصيح ما كثر استعماله في ألسنة العرب" [39] ، لكن هذه الصفة المستحسنة في الفصاحة اللغوية قد لا تكون كذلك في الفصاحة البيانية ، وهي ما يسمونه بالابتذال ، وهو مستقبح في الفصاحة البيانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت